Return to Article Details The Invocation of Postmodernism in the Rejection of Political Modernity: A Critical Study of the Contributions of Abd al–Wahhab al–Messiri and Ali Harb

استدعاء ما بعد الحداثة لرفض الحداثة السياسية: دراسة نقدية في إسهامات عبد الوهاب المسيري وعلي حرب

The Invocation of Postmodernism in the Rejection of Political Modernity: A Critical Study of the Contributions of Abd al–Wahhab al–Messiri and Ali Harb

رشيد الحاج صالح

Rasheed AlHaj Saleh

الملخّص

تتناول هذه الدراسة توظيف فكر ما بعد الحداثة في الفكر العربي المعاصر، ليس بوصفه أداةً لنقد الحداثة الغربية فحسب، بل بوصفه أيضًا آليةً لرفض/ تعطيل الحداثة السياسية (الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان) في العالم العربي. وتركّز على مساهمتين: عبد الوهاب المسيري ممثِّلًا للتيار المحافظ، الذي استند إلى نقد ما بعد الحداثة لتبرير العودة إلى أنماط ما قبل حداثية من الحكم ذات طابع ديني قروسطي، وعلي حرب ممثِّلًا للتيار التغريبي، الذي اعتمد ما بعد الحداثة إطارًا معرفيًا محرّرًا للفكر العربي، لكنه أعاد إنتاج إشكاليات الفكر الغربي ما بعد الحداثي متجاهلًا مطلب الحداثة السياسية عربيًا، مستدعيًا منظورات تفسر سياقات تاريخية مغيّرة كليًّا للواقع العالم العربي الراهن. وتنتهي الدراسة إلى أنّ التيارين، على الرغم من تباينهما، يلتقيان في الإسهام في تعطيل إمكان استكمال مشروع الحداثة السياسية في السياق العربي.

Abstract

Abstract: This study examines the employment of postmodern thought in contemporary Arab intellectual discourse, not merely as a tool for critiquing Western modernity, but as a method for rejecting political modernity – namely democracy, citizenship, and human rights. It focuses on two major contributions: that of ʿAbd al–Wahhab al–Messiri, representing the conservative trend, who drew on postmodern critiques to justify a return to pre–modern, religious, quasi– medieval forms of governance; and of ʿAli Harb, representing the Westernizing trend, who adopted postmodernism as an epistemological framework for liberating Arab thought yet ultimately reproduced the dilemmas of Western theory without addressing the Arab demand for political modernity. Thus, despite their apparent divergence, both trends converge on hindering the realization of political modernity within the Arab context.

الكلمات المفتاحية:
  • ما بعد الحداثة
  • الفكر العربي
  • الحداثة السياسية
  • علي حرب
  • عبد الوهاب المسيري
Keywords:
  • Postmodernism
  • Arab Thought
  • Political Modernity
  • Abd al-Wahhab al-Messiri
  • Ali Harb

بوصفه أداةً لنقد الحداثة الغربية فحسب، بل بوصفه أيضًا آليةً لرفض/ تعطيل الحداثة السياسية

(الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان) في العالم العربي. وتركّز على مساهمتين: عبد الوهاب

المسيري ممِّثِلًا للتيار المحافظ، الذي استند إلى نقد ما بعد الحداثة لتبرير العودة إلى أنماط

ما قبل حداثية من الحكم ذات طابع ديني قروسطي، وعلي حرب ممِّثِلًا للتيار التغريبي، الذي

اعتمد ما بعد الحداثة إطارًا معرفيًا محِّرِرًا للفكر العربي، لكنه أعاد إنتاج إشكاليات الفكر الغربي

ما بعد الحداثي متجاهلًا مطلب الحداثة السياسية عربيًا، مستدعيًا منظورات تفسر سياقات تاريخية

مغايرة كلًّيًا لواقع العالم العربي الراهن. وتنتهي الدراسة إلى أنّ التيارين، على الرغم من تباينهما،

يلتقيان في الإسهام في تعطيل إمكان استكمال مشروع الحداثة السياسية في السياق العربي.

علي حرب.

مقدمة

تتناول هذه الدراسة إشكالية فكرية استأثرت باهتمام عدد من المفكرين العرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وازدادت حدّةً منذ عام 2011. وهي تتمثل في توظيف فكر ما بعد الحداثة داخل الفكر العربي المعاصر، ليس بوصفه أداةً لنقد الحداثة الغربية فحسب، بل بوصفه أيضًا آليةً لرفض قيم الحداثة السياسية، مثل: المواطنة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية، وفصل السلطات، وذلك استنادًا إلى مقولة مفادها أن هذه القيم فشلت في الغرب، ومن ثمّ فهي غير ملائمة للخصوصية الحضارية في السياقين العربي والإسلامي. وتقسم الدراسة هذا التوظيف إلى تيارين رئيسين، مع الإقرار بوجود تنويعات أخرى لن نتناولها فيها؛ هما: أولًا، التيار المحافظ الذي يتبنّى نقد ما بعد الحداثة للحداثة الغربية، ويرفضها كليًا بدعوى إخفاقها في

تحقيق سردياتها الكبرى المتعلقة بمبادئ العدالة والمساواة وحقوق الإنسان والتحرر وتقدّم التاريخ. ويدعو بدلًا من ذلك إلى استعادة نماذج الحكم التقليدية السابقة على الحداثة، باعتبارها أكثر عدالة وأخلاقية. ويتجلى هذا المنحى في كتابات عدد من المفكرين العرب مثل وائل حلاق وعبد الوهاب المسيري وطه عبد الرحمن. وتكتفي الدراسة بالتركيز على المسيري الذي تبنّى موقفًا جذريًا رافضًا للحداثة السياسية، مستندًا إلى نقد ما بعد الحداثة من دون أن ينخرط في مشاريع إصلاحها من داخل الحداثة كما فعل بعض المفكرين الغربيين. وبدلًا من تطوير الحداثة والتفكير في إصلاح حالها، سعى لتبرير العودة إلى نُظم ما قبل حداثية تتسم بالسلطات المطلقة وغياب المشاركة السياسية وعدم فصل السلطات، بما ينطوي عليه ذلك من نزعة شمولية تتعارض مع قيم الديمقراطية الحديثة. ثانيًا، التيار التغريبي، وهو يتميز بانفتاحه على فكر ما بعد الحداثة بوصفه إطارًا معرفيًا يُسهم في

تحديث الفكر العربي وتحريره من الجمود، على الرغم من أن العالم العربي لم يخض فعليًا تجربة

الحداثة السياسية على النحو الذي يتخيله هذا التيار. غير أن هذا التبنّي يقترن بإشكاليات، أبرزها إعادة إنتاج القضايا المركزية للفكر الغربي ما بعد الحداثي، مثل العلاقة بين المعرفة والسلطة، وتفكيك الذات، وقضايا الجندر، والاعتراف، وتشيؤ الإنسان، والنزعة الفردية المفرطة، وتسيّد النيوليبرالية،

وتراجع سردية تقدّم التاريخ وتضخم العنف والحروب، من دون التركيز على قضايا الحداثة السياسية التي تظل حاجة ملحّة في السياق العربي. وسنتخذ علي حرب مث لًا في هذا السياق، ولن نتوسع في

فكر بعض رموز هذا التيار؛ مثل أدونيس، وبعض المفكرين المغربيين، الذين ينخرطون في فضاء ما بعد الحداثة باعتباره إطارًا شاملًا، لا أداة نقدية قابلة للتجاوز. هكذا، يشترك هذان التياران في تجاهل الحاجة إلى الحداثة السياسية، وإن اختلف المسار؛ إذ يتجه المحافظون إلى تمجيد الماضي واستحضاره، في حين يسعى هذا التيار لتجاوز الحاضر من داخل خطاب ما بعد الحداثة، متغافلًا عن مشروع الحداثة السياسية غير المكتمل.

(((نقتصر هنا على نحو أساسي على ما بعد الحداثة الفكرية أو الفلسفية، ولن نتناولها في مجال الأدب والفن والعمارة.

أولا: السياق التاريخي لنشوء فكر ما بعد الحداثة

يرتبط نشوء فكر ما بعد الحداثة، على نحو رئيس، بالتحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم الغربي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. لقد تميّز هذا الفكر منذ بداياته بنزعة

تشككية جذرية بشأن مجمل المسلمات الكبرى التي أرستها الحداثة الغربية، وجاء هذا التشكك بوصفه نتيجةً لما نجم عن الحرب العالمية الثانية من دمار، وما أعقبها من تغوّل التكنولوجيا وسياسات

النيوليبرالية في مختلف مجالات الحياة، حتى باتت تهدد الإنسان من حيث المعنى والقيمة. عمومًا، يتفق معظم دارسي هذا التيار على أن "ما بعد الحداثة" ليست مدرسة فكرية متجانسة بقدر

ما هي نمط تفكير يشكك في المفاهيم الكلاسيكية للحداثة، مثل الحقيقة والعقل والموضوعية والهوية والتقدم الكوني والسرديات الكبرى، بوصفها أسسًا نهائية للتفسير. ويُعد جان فرانسوا ليوتار

Jean–François Lyotard (1998–1924) من أبرز الذين صاغوا مفهوم "نهاية السرديات الكبرى" للحداثة؛ إذ أشار إلى انهيار ثلاث سرديات رئيسة، هي: 1. السردية العلمية التكنولوجية التي وعدت بتحقيق العدالة والرفاهية. 2. السردية التاريخية التقدمية التي افترضت أن التاريخ يتّجه نحو الأفضل. 3. السردية اللغوية الوضعية التي اختزلت اللغة في وظيفتها الإخبارية العلمية، مستبعدةً وظائفها الجمالية والأخلاقية والتعبيرية. يضاف إلى ذلك، أن فكر ما بعد الحداثة كثيرًا ما يقدّم نفسه على أنه "بديل أكثر انفتاحًا وديمقراطية

وتعددية ثقافية لعصر الحداثة النخبوي، والجوهراني، والغربي، والذكوري". من جهة أخرى، يرى مفكرون، مثل تيري إيغلتون Terry Eagleton (1943–)، أن فكر ما بعد الحداثة تعبير عن أزمة اليسار في أوروبا بعد ستينيات القرن العشرين؛ إذ لجأ بعض المثقفين اليساريين إلى المبالغة في نقد الرأسمالية وتهويل مشكلاتها، بعد أن شعروا بالهزيمة السياسية والتاريخية. إن فكر ما بعد الحداثة، وفق ما يفسر إيغلتون، حركة فكرية تُعبر عن" هزيمة سياسية" وانسحاب لليسار من ساحة الفعل السياسي إلى فضاء التفكيك الثقافي؛ ما أدى إلى تضخيم المشكلات البنيوية للنظام الرأسمالي بوصفها كارثة شاملة، من دون تقديم بدائل واضحة، ف "مهما كانت مصادر ما بعد الحداثة، سواء أكان مجتمع ما بعد التصنيع أم فقدان الحداثة أهليتها أم حركات الطليعة الفجة أم تحوّل الحضارة

إلى الاستهلاك أم ظهور قوى سياسية حيوية جديدة أم انهيار بعض الأيديولوجيات الكلاسيكية

(((كريستوفر باتلر، ما بعد الحداثة، ترجمة نيفين عبد الرؤوف، مراجعة هبة عبد المولى أحمد (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2016 2002[])، ص.15 (((جان فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة، تصدير فردريك جيمسون، ترجمة أحمد حسان (القاهرة: دار الشرقيات للنشر والتوزيع، 1994)، ص.27–23

(4) Hubert Zapf, "Cultural Ecology, Postmodernism, and Literary Knowledge," in: Şebnem Toplu & Hubert Zapf (eds.), Redefining Modernism and Postmodernism (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 2.

(((تيري إيجلتون، أوهام ما بعد الحداثة، ترجمة منى سلام، مراجعة سمير سرحان (القاهرة: أكاديمية الفنون، 2000)، ص.43

الخاصة بالمجتمع والأفراد"، فإنها نتيجة إخفاق اليسار سياسيًا وتضخيمه سلبيات الرأسمالية التي

انتصرت على اليسار. ويذهب إلى مثل هذا التفسير ليوتار وبربارا إبسن أيضًا. ويرى ليوتار أن فكر ما بعد الحداثة ظهر في أعقاب "إعادة نشر الرأسمالية الليبرالية المتقدمة بعد تراجعها تحت حماية الكينيزية بين العامين 1930 و 1960، وهذا تجددٌ ألغى البديل الشيوعي ومنح قيمة للتمتع الفردي بالسلع والخدمات". أما إبسن فترى أن هذا الفكر نشأ بوصفه استجابة لإخفاق اليسار في التصدي

للرأسمالية، وأن اليسار فقدَ أي أملٍفي مستقبله؛ ما دفع نخبًا فكرية يسارية، أوروبية وأميركية، إلى

تهويل الطابع العدمي للرأسمالية ووحشيتها. يُصَنَّف فكر ما بعد الحداثة غالبًا بوصفه فكرًا متمردًا على السائد، ويمثّل المهمشين ضد النظام

المعرفي والثقافي للسلطات المهيمنة على العالم، ومن أهم الذين ركزوا على هذه الناحية ميشيل فوكو Michel Foucault (1984–1926) وجيل دولوز Gilles Deleuze (1995–1925). هكذا، بدأت تتشكل طريقة تفكير متحررة إلى حدّ بعيد من الأنساق والمفاهيم الواضحة، وهي تركز على كل ما هو هامشي ومختلف ومُقصَى ومسكوت عنه؛ ما أدى إلى إعادة التفكير في الإنسان من زوايا جديدة

تتلاءم مع التحولات المستمرة في مجالات المعرفة والعلم والتكنولوجيا والسياسة. ويمكن أن نورد، في هذا السياق، خمس ملاحظات نقدية مهمة متعلقة بفكر ما بعد الحداثة:

1. نزعة تشاؤمية تضخم السرديات العدمية ونهاية العالم

يلُاحظ وجود قدرٍ من المبالغة في توصيف حالة ما بعد الحداثة باعتبارها مرحلة ستقود البشرية حتميًا

إلى الانهيار، أو بوصفها قطيعةً جذريةً مع التاريخ ومساراته المألوفة؛ فكأن ثمة انقلابًا كلًّيًا سيقوّض

كل ما سبق. لكن هذه الرؤية تفتقر إلى الدقة؛ إذ تظل ما بعد الحداثة في جوهرها امتدادًا ضمن سيرورة تاريخية يمكن تناولها وتحليلها عقلانيًا وعلميًا. ومع أنّ الشركات العابرة للقوميات بات لها

تأثير بالغ في الاقتصاد العالمي المعاصر، فإن هذا لا يعني بالضرورة تراجع الدولة كليًا إلى "خادم

قانوني" لهذه الكيانات. ثمّ إنّ تعاظم دور الإعلام في العقود الأخيرة لا يستتبع بالضرورة تحوله إلى

"آلة كذب وخداع" تتحكم فيها القوى المالية فحسب، بل يظل الإعلام ساحةً معقدةً للتنافس والتفاعل

بين أطراف متعددة، وليس أداة طيّعة بيد السلطة أو رأس المال. وعلى الرغم من وجود حروبٍ وعنفٍ

فائض في كثير من المناطق، فإنّ ثمّة سلامًا وازدهارًا واستقرارًا وعدالةً في كثير من مناطق العالم أيضًا،

ويضاف إلى ذلك أنّ مسار الانتقال الديمقراطي في تقدّم مستمر.

2. يَسلب الإنسان المعاصر إرادته

يصعب التسليم بأطروحة ما بعد الحداثة المركزية القائلة بأنّ الإنسان المعاصر فقدَ إرادته كلًّيًا تجاه

سطوة التكنولوجيا والمؤسسات الكبرى في العالم الرأسمالي، وأنّ مسار التاريخ والطبيعة هو من

(((المرجع نفسه،.42 (((ليوتار، ص.56

(8) Barbara Epstein, "Postmodernism and the Left," New Politics , vol. 6, no. 2 (1997), p. 10.

يحدد حركته في نهاية المطاف. فالواقع يُظهر وجود فاعلية بشرية لا يمكن إنكارها، وهي تتجلى في موجات التغيير والثورات الاجتماعية، ومنها ثورات "الربيع العربي". وهذا ما يؤكده آلان تورين Alain Touraine (2023–1925)، مثلًا، الذي يرى أنّ الذوات الفاعلة المنخرطة في الحركات الاجتماعية

أقوى من المؤسسات الكبرى أو قادرة على التأثير فيها بفاعلية في كثيرٍ من الأحيان. وعلى الرغم من قلقه الهادئ المتعلق بمصير الحداثة السياسية، فإنه يبقى مؤمنًا بأنّ البشر اليوم يشاركون في توجيه دفة التاريخ وإعادة تشكيل واقعهم الاجتماعي على الرغم من التحديات المرتبطة بالتكنولوجيا والإعلام والشركات الكبرى ورأس المال. ومن هنا، تبدو أطروحات ما بعد الحداثة في هذا السياق مبالغًا فيها؛ إذ تُضخّم ما يجري من دون أن يعني ذلك الانتقاص من أهمية هذه التحولات، مع تأكيد عدم تهويلها. هذه مبالغات واضحة؛ إذ يقول ديفيد هارفي David Harvey (1935–)، على سبيل المثال، في كتابه حالة ما بعد الحداثة: "إن التحولات من هذا النوع ليست جديدة بأي حال من الأحوال، وإن آخر نسخها الراهنة تظل في متناول البحث المادي التاريخي، بل ينطبق عليها التنظير الذي جاء به [كارل] ماركس حول التطور الرأسمالي".

3. سمة العدمية الأخلاقية

يستند الفكر ما بعد الحداثي غالبًا إلى تضخيم القطيعة بين مجالات المعرفة والأخلاق، مثل الفصل

بين العلم والتكنولوجيا والسياسة من جهة، والأخلاق من جهة أخرى، وذلك في محاولة لتصوير العالم الرأسمالي المعاصر على أنه يعيش في ظل فوضى عدميّة شاملة. إلا أن هذا المنظور يتجاهل

إمكانية تحليل هذه العلاقات ضمن سياق تطوّر الحداثة نفسها، كما يفعل ريتشارد رورتي، مثلًا، الذي يُعلي من شأن الأمل المشترك بين البشر، لأنهم – بحسب اعتقاده – يعتبرون أن علاقتهم بقوة عقلانية مشتركة كبرى مثل الله أو الحقيقة أو التاريخ أكبر مما نظن، مؤكدًا وجود "جوهر إنساني مشترك" يجمع بين الناس في النهاية. يأتي هذا على العكس من الفكر ما بعد الحداثي الذي يُفضل التركيز على "الشعور بالخطر المشترك"؛ ما يعمّق الإحساس بالتهديد ويضعف ثقة الأفراد بمستقبلهم، وقد يفاقم من حالة الاغتراب والاستلاب لديهم. الفكر ما بعد الحداثي كثيرًا ما يضخّم حالة انعدام اليقين

الأخلاقي الذي يفترضه ليصل إلى حالة مفترضة أيضًا من انعدام الأمن الوجودي.

(((هذه وجهة نظر يورغن هابرماس Jürgen Habermas (1929–) وإدغار موران Edgar Morin (1921–) وتورين وغيرهم من النقاد

المعتدلين للحداثة. بشأن نقد تورين للحداثة، ينظر: ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، (1((ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيّا، مراجعة ناجي نصر وحيدر حاج

إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة؛ المعهد العربي العالي للترجمة، 2005)، ص.387

(11) Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), p. 91. (12) Zygmunt Bauman, Intimations of Postmodernity (London/ New York: Routledge, 1992), p. xxiv.

4. التزام فكر ما بعد الحداثة بالقضايا الجزئية على حساب القضايا الكبرى

على الرغم من تركيز فكر ما بعد الحداثة على قضايا الأقليات والفئات المهمشة في أوروبا، وسعيه لكشف آليات الهيمنة التي تمارسها الشركات العابرة للقومية ومؤسسات الدولة الحديثة ولاأخلاقية الاستعمار الغربي، فإنه يعاني مفارقة داخلية واضحة؛ إذ تراجع عن الالتزام بالقضايا الكلية الكبرى مثل العدالة والحرية والمساواة، لمصلحة موضوعات جزئية تتعلق بحقوق المرأة، وسلطة الفرد على جسده، والاختلاف، والتعدد، والآخر، والتأويل، والتفكيك. وهي موضوعات – كما يلاحظ إيغلتون – تعتبر من النوع الذي تسمح به الرأسمالية، وقد تشجع عليه؛ لأنها تنزلق في اتجاه قضايا جزئية، بعيدًا عن النضال السياسي والفكري الذي تميّز به مفكرو الحداثة واليسار الكلاسيكي.

لذلك، يمكن ملاحظة أن ثقافة ما بعد الحداثة تسمح بالحديث عن "الحضارة الإنسانية وليس عن الطبيعة الإنسانية؛ عن النوع (ذكر/ أنثى) وليس عن الطبقة، عن الجسد وليس عن علم الأحياء، عن السعادة وليس عن العدل، وعن ما بعد الاستعمار وليس عن الطبقة البرجوازية التافهة".

5. التركيز على جانب واحد من الرأسمالية

يتجاهل الخطاب ما بعد الحداثي حقيقة مفادها أنّ نماذج الحداثة ليست كلها رأسمالية متوحشة أو نيوليبرالية؛ إذ يغفل وجود نماذج حداثية ليبرالية ذات توجهات اجتماعية/ اشتراكية تستند إلى أسس أخلاقية وإنسانية لتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال تحقيق توازن بين قيمتي الحرية والمساواة. ويُعدّ مثال جون رولز John Rawls (2002–1921) بارزًا في هذا السياق، وهو المفكر الذي كرّمه

الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون باعتباره "أعاد الثقة بالديمقراطية الليبرالية" بما تمثله من مواطنة، وحقوق إنسان، وعدالة، وديمقراطية بوصفها وجهًا رئيسًا من وجوه الحداثة السياسية. ويتجاهل

هذا الخطاب، أيضًا، إسهامات أنتوني غيدنز Anthony Giddens (1938–)، صاحب نظرية "الطريق الثالث"، التي ألهمت سياسيين مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، فضلًا عن دور عدد كبير من أحزاب الديمقراطية الاشتراكية التي تولت الحكم في دول أوروبية عدة، مثل ألمانيا، والسويد، والنرويج، وإسبانيا، والنمسا، والبرتغال، وغيرها؛ وهي أحزاب ذات توجهات إنسانية وأخلاقية واضحة ضمن مشروعها الديمقراطي الحداثي. لكن كيف تلقّى الفكر العربي المعاصر فكر ما بعد الحداثة؟

ثانيًا: التيار المحافظ ما بعد الحداثي: عبد الوهاب المسيري

يُعدّ عبد الوهاب المسيري من بين أكثر المفكرين العرب انشغ لًا بفكر ما بعد الحداثة. ونناقش هنا

توظيفه لهذا الفكر من خلال نقد ثلاثة اعتقادات راسخة عنده شكّلت أساس نظرته إلى هذا الفكر.

((1(إيجلتون، ص.48 ((1(المرجع نفسه، ص.51 ((1(بشأن "الديمقراطية الاشتراكية"، ينظر مؤلفات جون رولز وأنتوني غيدنز، وهي مترجمة إلى العربية.

وهذه الاعتقادات هي: 1. الحداثة تفضي بالضرورة إلى فكر ما بعد الحداثة. 2. نظرته إلى الإنسان بوصفه يملك القدرة على التحكم في مسار التاريخ من جهة، لكنه في الوقت نفسه يظلّ خاضعًا لسلطة الطبيعة ووضعه المادي. 3. تأكيده أن الغرب في مرحلته ما بعد الحداثية يتحمّل كامل المسؤولية عن

الصراع مع الإسلام والمسلمين.

1. هل تؤدي الحداثة بالضرورة إلى ما بعد الحداثة؟

يعتقد المسيري أن العدمية والنسبية واللاأخلاقية والنزعة التدميرية والإباحية التي يتسم بها وضع ما بعد الحداثة اليوم قابعة في نموذج الحداثة نفسه، أو كما يقول: "ما بعد الحداثة هو جزء عضوي من الحداثة". ففكر التنوير الأوروبي (يسمّيه المسيري فكر الاستنارة)، الذي كان يعتقد

أن الإنسان خِّيِرٌ بطبعه، ولديه عقل يطمح إلى الحق بشكل طبيعي، ويوازن بين مصالح الفرد

والمجتمع بالوقت نفسه، أخضع الأخلاق في نهاية الأمر، في سياق التحرر من "هيمنة رجال الدين"، ل "علماء النفس والاجتماع والهندسة الوراثية وشركات الإعلانات التلفزيونية ومجلات أخبار النجوم وفضائحهم وصناعة الإباحية واللذة". هكذا أصبحت الأخلاق خارج نطاق الحاجات الروحية للإنسان، ولا علاقة لها بالمعنى. نتيجةً لذلك، فإنّ مشكلة عصر الاستنارة أنه عندما جعل من الإنسان مركز الكون ومصدر الأخلاق، وأوجب عليه أن يخضع على نحو كامل ل "قوانين الطبيعة"، سحب المرجعية من الأديان ومنحها للإنسان، وجعل من الإنسان كائنًا ماديًا مهووسًا بمصالحه والبحث عن اللذة. فإذا كان فكر ما بعد الحداثة يساوي بين ما هو أخلاقي

وما هو غير أخلاقي، فذلك يعود إلى أن الحداثة بذرت فكرة أن الإنسان، ومصالحه ولذّاته هي المرجع الأخلاقي لنفسه. وإذا كانت ما بعد الحداثة تُسهم اليوم في "إبادة العجزة وأعضاء الأقليات والمعاقين" (كما فعلت النازية)، بالنظر إلى ما لهذه الإبادات من جدوى اقتصادية، فإن الحداثة هي التي جعلت من المصلحة والمنفعة مرجعًا للأخلاق. وإذا كان عصر ما بعد الحداثة تجتاحه "النظريات العرقية التي تنكر المساواة بين البشر"، فإن ذلك يعود إلى أن عصر الحداثة أنكر على البشر "أصلهم الرباني" الذي ساوى بين البشر. وإذا كان العقل تحوّل إلى "عقل أداتي" في عصر

ما بعد الحداثة، فذلك لأنّ عقل الحداثة كان عقلًا حًّرًا مستقّلًا، ولكن لا تحدّه أي حدود أخلاقية

أو إنسانية ولا همّ له سوى تسخير العالم لمصلحة الإنسان، وكانت النتيجة ظهور "عقل أداتي،

لا يدرك ماضيًا، ولا مستقبلًا، ولا يعرف غايةً ولا هدفًا". وإذا كانت فكرة التنويريين عن التاريخ

أنه تقدّمي، بحيث إنه يتّجه إلى التحرر وعالم أفضل، لأنهم اعتقدوا أن التاريخ سينتهي بسيطرة

(1((الحداثة وما بعد الحداثة (طرابلس، ليبيا: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 1998)، ص.10 (1((عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مج  1 (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص.316 ((1(المرجع نفسه، ص.315 ((1(المرجع نفسه، ص.319–318 ((2(المرجع نفسه، ص.320 ((2(المرجع نفسه.

الإنسان على الطبيعة وتمكّنه من إقامة "الحكم التكنوقراطي الرشيد"، فإن الذي حصل أن التاريخ اتجه إلى "تصفية الإنسان الفرد لصالح حركة التاريخ الحتمية وتقدمه المادي اللامتناهي". ومن دون هذا التحليل والفهم لمشكلة ما بعد الحداثة سيبقى "المفكرون الغربيون يتأملون فيها ولا يجدون إجابات شافية لها". وإذا كانت الحداثة قد أفضت عمومًا إلى هذا الوضع المأزوم، فإن قيم الحداثة السياسية لم تكن

لا ح لضفأ. ةيناسنإ ميق يأ نم ةيلاخ ةيئارجإ ةيلمع ىلإ، لاثًاام اكريمأ يف، ةيطارقميدلا تلوحت دقف وأخلاقية. بالنسبة إلى المسيري حتى "عصابات المافيا تطبّق الإجراءات الديمقراطية بغاية الصرامة،

فهم ينهبون ويسلبون ويبتزون ثم يقومون بتوزيع الغنائم بينهم بديمقراطية بالغة". وهكذا، لم تعُد

مرجعية الديمقراطية "القيم الإنسانية"، "وإنما القيم النفعية المادية والصراعية الدارونية". ويحمّل المسيري "إعلان حقوق الإنسان"، المعروف عالميًا وعربيًا، مسؤولية "تفتت الأسرة"

واعتبره من "مقدمات العلمانية"؛ إذ تتمثل قضيته المركزية في تغليب حقوق الفرد على حقوق المجتمع وجعل الإنسان "مرجعية ذاته". ونتيجةً لذلك، يرى المسيري، أن مفهوم حقوق الإنسان أسهم تدريجيًا في إنتاج نموذج "إنسان داروين الذي يلتهم كل شيء، إنسان إمبريالي يأتي على

الأخضر واليابس". أما وضع الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في المجتمعات الغربية الرأسمالية، فيرى المسيري – الذي عاش في الولايات المتحدة الأميركية ودرس فيها سنوات طويلة – أنّ هذه المجتمعات انقسمت إلى طبقتين رئيستَين: طبقة تمتلك كل شيء وتتمتّع بمستوى معيشي يفوق الوصف، وأخرى تعاني فقرًا

مدقعًا يصل إلى حدّ العجز عن تأمين الطعام والملبس. ومن ثمّ، نجد أن منازل الأغنياء الفارهة "يقوم

على حراستها حرس حديدي للتصدي للجوعى والعطشى"، و"بينما يزداد الأثرياء ثراءً وشراهةً

ويحصلون على ما يريدون ولا يشبعون، يحلم الفقراء بالحصول على الأشياء نفسها"، وهذا كله بسبب سيطرة النزعة الاستهلاكية وتجارة الجنس والمخدرات والسلاح في الغرب الرأسمالي، وهي مجالات لا هدف للاقتصاد الرأسمالي الغربي سوى خدمتها. ويميز المسيري كذلك بين ما يسميه "المجتمعات النفعية المادية" الأنانية الداروينية الاستهلاكية القائمة على الإلزام القانوني والتنافس وتبادل المصالح، ويرى أن الغرب المعاصر يجسدها، وبين

((2(المرجع نفسه، ص.314 ((2(المرجع نفسه، ص.320 (2((عبد الوهاب المسيري، الثقافة والمنهج، سوزان حرافي (محرر) (دمشق: دار الفكر، 2009)، ص.62 ((2(المرجع نفسه، ص.62 ((2(المرجع نفسه، ص.311 ((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.323 ((2(المرجع نفسه.

ما يسميه "المجتمعات التراحمية" الإنسانية التعاضدية القائمة على الالتزام الأخلاقي الغيري، ويرى أن الإسلام يمثلها بطريقة رئيسة. وتتعقد المشكلة أكثر فأكثر في العالم العربي؛ لأن "دعاة الاستنارة عندنا – من العلمانيين والتنويريين – يبشرون بذات الأفكار، بشجاعة بالغة السذاجة، قد تدل على 'طيبة' قلوبهم وعقولهم، ولكنها تدل أيضًا على أنهم – في أحسن الأحوال – لم يتأملوا الأمر من جميع جوانبه بما فيه الكفاية". فإذا تمركزت ما بعد الحداثة حول "الأنثى" (يقصد تجارة الجنس)، فإننا سنتمركز حولها أيضًا إذا سرنا في طريق الاستنارة، وإذا تخلّت ما بعد الحداثة عن أي مرجعية أخلاقية روحية، فإننا بلا شك سائرون في هذه الطريق إذا تبَّنَينا طرق الحداثة. ويذهب إلى "أن تفكيكية ما بعد الحداثة وعدميتها كانت موجودة داخل المشروع الحداثي في كمون"، على الرغم من أن مشروع الحداثة عمره قرون في حين أنّ التفكيكية عمرها سنوات قليلة، ومجرد "موضة" في الفكر والأدب، لا أكثر من ذلك. وهذه قضايا "متتالية" بالنسبة إلى المسيري؛ فما إن تأخذ بواحدة من قيم الحداثة أو ما بعد الحداثة حتى تتداعى باقي القضايا على نحو شبه آلي. في الواقع، يصرف المسيري الانتباه عن البعد الاجتماعي التعاقدي الدستوري القانوني، وهو البعد الحداثي السياسي ذو الأهمية الحاسمة، ليركز عوضًا عن ذلك على البعد الأخلاقي. ويوهمنا هذا التركيز بأن التناقض الجوهري بيننا وبين الغرب إنما هو تناقض أخلاقي فحسب، وليس تناقضًا حداثيًا سياسيًا وتقنيًا وتنمويًا... إلخ، كما يوهمنا بأننا إذا كنّا نتفوّق على الغرب أخلاقيًا وإنسانيًا، فإن

هذا التفوق وحده كافٍ للتبشير بتفكك الغرب داخليًا وزوال صنيعته وحليفته إسرائيل، وأن خلاص

الإنسانية يكمن في النموذج الأخلاقي التراحمي الذي نمثله. ويتجاهل المسيري (وكذلك علي حرب كما سنرى) أن الرأسمالية تحولت، خلال العقود الماضية، انطلاقًا من الكينيزية إلى توجه اجتماعي جزئي، وهو ما عُرف برأسمالية دولة الرعاية الديمقراطية الليبرالية أو ما دولة الرفاه أو دولة الحد الاجتماعي الأدنى اللائق، وأن الديمقراطية الليبرالية الاجتماعية تجاوزت، في سياق نقدها للرأسمالية، دولة الرعاية ذاتها، في اتجاه مزيد من العدالة الاجتماعية في السياق الديمقراطي الليبرالي، من دون الاضطرار إلى التخلي عن الاقتصاد الرأسمالي أو اقتصاد السوق والملكية الخاصة للرساميل، بل على أساس الدعوة إلى اعتماد آليات توزيعية قبلية وبعدية للثروة، من أجل التقليل من فجوات التفاوت أو صور اللامساواة الاجتماعية الاقتصادية، ومن

(3((عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2000)، ص 52–51. يذكر المسيري في هذا الكتاب أنه استوحى مصطلح "التراحم" من فريضة الزكاة في الإسلام، والهديّة

التي يقدمها الأصدقاء والأقارب إلى الزوجين في حفل عرسهما نوعًا من المساندة المادية، وكذلك من علاقات المودّة وحُسن

الجوار وتعاضد الأقرباء في بلدته التي عاش فيها المرحلة الأولى من حياته. (3((المسيري، العلمانية الجزئية، ص.320 (3((المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة، ص.65–64 ((3(المرجع نفسه، ص.321

ثمّ السياسية؛ ما يفضي إلى ضمان تحقق قيمة الحرية، بطريقة فعلية حقيقية، لا صورية زائفة. بمعنى

أنّ الحداثة السياسية التي تمثلها الديمقراطية الليبرالية ما زالت مشروعًا يتطور ويكتمل من داخله

ووفقًا لقيمه الرئيسة من مواطنة وحرية ومساواة... إلخ، وأنّ هذه الحداثة السياسية، في نهاية الأمر، هي المسيطرة على المجال السياسي، بحيث يبدو فكر ما بعد الحداثة فكرًا ثانويًا، من دون التقليل من

أهمية النقد الذي يوجهه إلى الحداثة. من الواضح أنّ المسيري لا يُقدّم أيّ دليل قاطع أو بيانات موثوقة تؤكّد بالضرورة أنّ قيم الحداثة

ستفضي إلى فكر ما بعد الحداثة، لا سيّما فيما يتعلّق بانغماس الغرب في الإلحاد، وتفكّك الأسرة،

وتراجع العدالة الاجتماعية. وتبقى تحليلاته، في مجملها، أقرب إلى المبالغات التي تهدف إلى الإيحاء بأنّ الوقائع تسير على النحو الذي يتبنّاه في طرحه. تُبِيِّن مسوح القيم العالمية اليوم، على سبيل المثال، أن نسبة الذين يعتقدون أنّ "الله غير مهم على

الإطلاق في حياتهم" نسبة قليلة في البلدان المتقدمة أيضًا، وليس في البلدان غير المتقدمة فحسب. فقد بلغت نسبتهم في أميركا نحو 12.8 في المئة فقط، وفي إيرلندا 18.8 في المئة، وفي روسيا 7.5 في المئة. بينما بلغت في تونس نحو 15.7 في المئة، وفي المغرب 5.4 في المئة، وفي لبنان 0.2 في المئة، وفي ماليزيا 0.8 في المئة، وفي إيران 1.3 في المئة، وفي الهند 2.5 في المئة، وفي منغوليا 12.6 في المئة. وقد ذكرنا كل هذه الأرقام لكي نبين أن نسبة من يعتقد أن الإنسان ليس من "أصل رباني"، بلغة المسيري، نسبة قليلة جدًا وليست هي النسبة الساحقة والكبرى في العالم الغربي كما توحي لنا كتاباته. ويدل هذا على أن المسيري يبني نظرياته على تأملات شخصية وانطباعات ذاتية، لا أكثر، ويتجاهل المعطيات التي تقدّمها المسوح العلمية المعروفة، ربما لأنها تعارض ما يريد أن يقول. وعلى الرغم من حديثه عن تضخّم التفكك الأسري والإباحية وزواج المثليين في غرب ما بعد الحداثة، والذي لا يترك فرصة من دون أن يحذر من انتشاره الواسع، فإن نتائج أهم المسوح العلمية في العالم للقيم تبيّن اليوم أن "الأسرة"، مثلًا، مهمة بالنسبة إلى الأميركيين بنسبة 91 في المئة، و 92.3 في المئة بالنسبة إلى

البريطانيين، و 73.7 في المئة بالنسبة إلى الهولنديين، و 88.4 في المئة بالنسبة إلى الألمان. وهي نسبٌ

على نقيض كلّي لما يظنه المسيري من تفسّخ في القيم الاجتماعية والأخلاقية في الغرب. وهذا ما يؤيد

استنتاجًا مفاده أنّ هذه الفجوة في فكره تعود إلى أنه لا يؤمن بالحداثة السياسية نفسها وأن عدم الإيمان

هذا هو أشبه بحكم مسبق، ولذلك نجده يندفع في المبالغة في شرور عصر الحداثة المتأخرة.

2. ما أسباب تناقض صورة ما بعد الحداثة لدى المسيري؟

في كتاب المسيري اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود الذي يخصصه لنقد الحركة الصهيونية، يتحدث عن مبادئ راسخة لدى الصهيونية، ومنها المبدأ الواحد الذي يسميه المتدينون الصهاينة "الإله"

(34) World Values Survey Association, World Values Survey Wave 7 (2017–2022): Results in Percent by Country, at: https://acr.ps/1L9F2gt (35) Ibid., pp. 153–154.

(وحدة وجودية روحية)، أما الملحدون الصهاينة فيسمونه تسميات كثيرة: "روح الشعب"، و"التراث اليهودي"، و"العرق اليهودي" (وحدة وجود مادية). ولكن ما يثير استغراب المسيري أن "كلا الفريقين يرى المبدأ الواحد باعتباره الرباط العضوي الذي يربط بين الشعب والأرض، أو القوة التي تسري فيهما". وهذا كلام يجعل من الحركة الصهيونية – التي تحتل عنده مكانة مركزية كبيرة في عالم ما بعد الحداثة الغربي إلى حدّ أنه يجعلها متحكمة على نحو شبه مطلق في الغرب ما بعد الحداثي، كما يرجعها إلى تأثّر مفكريها بأصولهم اليهودية – حركةً تؤمن بأن للتاريخ أهدافًا مسبقة تتمثل في توطين اليهود في أرض فلسطين. ويعود هذا عنده إلى أن الرؤى ذات المسحة الميتافيزيقية/ الدينية هي الموجّه الأساسي للحركة الصهيونية. لكنه يُبيّن، في الكتاب نفسه، أن ما بعد الحداثة هو "فكر تقويضي مُعادٍ للعقلانية والكليات، سواء

كانت دينية أو مادية. فهو فكر يحاول أن يهرب تمامًا من الميتافيزيقا، ومن الحقيقة والمركزية والثبات

[...] فالمادة الحقة ضد الثبات، وتؤمن بأن العالم بلا أصل"؛ أي إن الطبيعة وصيرورة المادة هي التي تحكم مستقبل البشرية. يعني هذا أن المسيري ينظر إلى وضع ما بعد الحداثة من زاويتين متناقضتين: الأولى، تجعل الإنسان مسيطرًا على الطبيعة وتاريخها، ويفرض عليهما غاياته وأيديولوجيته. والثانية، تؤكد

سيطرة الطبيعة على الإنسان؛ لأن الإنسان جزء منها مثله "مثل الحيوانات الأخرى"، وهو توجّه

يعبّر عن "التدهور المستمر" للإنسان والمجتمعات. فما الذي يسيّر التاريخ؛ الإرادة الإنسانية

أم "العناصر المادية"؟ المفارقة التي نتوقّف عندها هي أن المسيري على الرغم من النقد الدائم الذي يوجهه إلى الغرب ما بعد الحداثي، من حيث إنه غارق في الماديات، والاستجابة للغرائز، وسيطرة النزعة الاستهلاكية

عليه، والانفلات الأخلاقي، وأنه مُعادٍ لروحية الأديان والقيم الأخلاقية، وتُسيطر عليه "الداروينية

الاجتماعية والعلمية"، ومدمِر للطبيعة والمناخ، يركّز، من جهة أخرى، في جلّ كتاباته على تأكيد أن وضع ما بعد الحداثة مرتهن، كذلك، بصفة كاملة، لأيديولوجيا الحركة الصهيونية. وهذه مفارقة غريبة على الرغم من أنه يحرص على وحدة الرؤية التي تجمّع الجزئيات، على حدّ تعبيره. فهل الغرب

مادي وعلماني شامل؟ أم متدين/ متطرف على نحو شبه هستيري؟ وهل يتّجه التاريخ على نحو أعمى وتحكمه المنافع والمصالح والقوانين الوضعية، الأمر الذي سيؤدي – لا محالة – إلى انهيار الحضارة الغربية؟ أم أنه مسكون بخطط دينية وغايات ربانية؟ جواب المسيري الذي يكرره في جلّ كتبه أنّ الغرب ما بعد الحداثي يمثل الحالتين، في الوقت نفسه، وهو أمرٌ ليس في مصلحة سلامة الرؤية

عنده. فالقول إن الغرب علماني متطرف ومتدين متطرف في الوقت نفسه أيضًا، ومُعادٍ الأسرة ومنحلّ

(3((عبد الوهاب المسيري، اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص.185 ((3(المرجع نفسه، ص.235–234 (3((المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مج  1، ص.314

أخلاقيًا، لكنه ينتخب الرئيس اليميني دونالد ترمب، المتدين المحافظ، ويؤيد تأييدًا كاملًا الحرية

الجنسية و"الخلاعة" و"تسليع جسد المرأة"، هو أمرٌ غيرُ سوٍّيٍ. يعود مثل هذا التناقض في فكرة المسيري إلى أنه يصنّف الغرب على نحو كلي وثابت، بعيدًا عن

السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ترافق تحولات أي مجتمع، لأنه يمحور الغرب حول هوية متخيلة، وليس حول أسئلة مجتمعية سياسية تواكب وضع ما بعد الحداثة. فالغرب

عنده جوهر ثابت نهائي متكوّن بصفة مسبقة، وما من مجالٍللفكاك من الوضع الذي رهن نفسه في

داخله. ولنتذكر أن فكرة "السيطرة الشاملة"، سواء كانت معرفية أو اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك، هي فكرة ما بعد حداثية على الرغم من أن المسيري يعُدّ نفسه من أكبر نَّقَاد ما بعد الحداثة في العالم

العربي. ويختزل المسيري ما بعد الحداثة في النيوليبرالية والتحيز إلى الصهيونية والتوجه الوضعي في العلم والفلسفات العدمية وما إلى ذلك. وهذا الاختزال قابل للمساءلة؛ إذ لا يمكن اختزال الغرب في هذا التوجه فحسب، لأن في ذلك تجاهلًا لأحزاب الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يحكمون عددًا من بلدان أوروبا، وتجاهلًا لأجيال مدرسة فرانكفورت وكتابات رولز وغيرها. ثمّ إنّ سيغموند فرويد

Sigmund Freud (1939–1856) ليس مجرد ناقد عدمي للحضارة الغربية، ولا يمكن القبول بأن أصله اليهودي يقف وراء جلّ أفكاره. أما فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1900–1844)، فإنه ينقد ويهدم؛ من أجل تنبيه الغرب إلى أنّ عليه أنْ يفكر بطريقة مختلفة وأنْ يدرك أنّ الأخلاق ليست مثالية دائمًا، لكنه ليس مفكرًا ماديًا عدميًا في نهاية الأمر، وهدمه للأصنام ليس بلا معنى.

3. لماذا تُغَيَّب السياسة عن تفسير صراع الغرب ما بعد الحداثي مع الإسلام؟

يسهب المسيري في عدد من كتبه في شرح ما يسميه "الصراع بين الإسلام والغرب"، ويعزو هذا الصراع إلى عدة عوامل يمكن إيجازها في ثلاثة: أولها، نظرة الغرب إلينا بوصفنا "مادة استعمالية لا بد من تنميطها حتى تدخل في القفص الحديدي، قفص الإنتاج والاستهلاك، دون هدف أو غاية سوى المنفعة أو اللذة". وثانيها، يعود إلى "تمركز الغرب حول ذاته وجعل من نفسه مرجعية نهائية ومعيارًا

يحكم به على كل الظواهر والحضارات الأخرى". وثالثها، تجاهله التام لحقوق البلدان الإسلامية وحق المسلمين في العيش بكرامة وسلام. ولكن ما الحل؟ وكيف يمكن للشعوب الإسلامية مواجهة الغرب المنفلت سياسيًا وأخلاقيًا والمتوحش رأسماليًا؟ تكمن الإشكالية الجوهرية في مشروع المسيري في افتقاره إلى بلورة نظرية سياسية واضحة تقدم حًّلا عمليّا وعلميًا للواقع القائم، والاكتفاء بطرح أفكار ورؤى عامة مستنبطة من التراث الإسلامي،

على الرغم من كثرة مؤلفاته التي تناولت هذا الموضوع بإسهاب. ويبدو أن مقاربته للحل تنحو نحو الانتظار السلبي لانهيار الغرب بسبب عوامل داخلية، مثل الحروب والنزعة الاستهلاكية والتفسخ

(3((عبد الوهاب المسيري، حوارات: الهوية والحركات الإسلامية، سوزان حرفي (محررة)، مج  3 (دمشق: دار الفكر، 2010 2009[])، ص.28–27

الأخلاقي. وفي هذا الإطار، ينشغل في مشروعه النقدي بتعرية الجوهر المادي للحضارة الغربية إلى أبعد مدى ممكن. يعتمد المسيري في تحليله للصراع العربي – الإسرائيلي، مثلًا، على يقين راسخ ب "زوال دولة إسرائيل" نتيجة تفككها من الداخل، مع أن الواقع يشير إلى أن الأوضاع الداخلية في الدول العربية والإسلامية أكثر تعقيدًا وأشد هشاشة مقارنة بإسرائيل. ثمّ إنّ الفلسطينيين يواجهون منذ عام 1936

حتى اليوم حروب إبادة ممنهجة تقودها إسرائيل والدول الاستعمارية الداعمة لها من دون أن تلوح في الأفق عوامل توازن قوة حقيقية. ويعتقد المسيري، أيضًا، أن الغرب سيُهزم حتمًا على الرغم من

التفوق الهائل الذي يحظى به اقتصاديًا وعلميًا وعسكريًا، استنادًا إلى رؤيته المتمثلة في أن القيم

الروحية والأخلاق المثالية هي التي تُبقي الحضارات أو تؤدي إلى انهيارها. هذا التصور الأخلاقي – مهما بدا جذابًا في بعده القيمي – لا يصلح في نظر التحليل العلمي لفهم

الواقع الجيوسياسي المعاصر. فالأخلاق وإنْ كانت جزءًا أصيلًا في بنية كل حضارة، فإنها نسبية

ومتغيرة بتغير السياقات التاريخية والثقافية، إضافةً إلى أنها غالبًا ما تتراجع في أوقات النزاعات

والحروب، فضلًا عن وجود قيمٍ أخلاقية إنسانية عامة تسعى لتحقيق العيش المشترك والعدالة وصون كرامة الإنسان منذ أقدم العصور. وهذه مسألة موجودة لدى كل البشر، لكن القول بأن الأخلاق وحدها هي العامل الحاسم في نشوء الحضارات أو انهيارها يفتقر إلى التفسير الشامل للواقع. إن دراسة نشوء الدول وانهيارها تقتضي النظر في العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية باعتبارها محركات التاريخ الرئيسة. ويُعزى ما تتعرض له الدول الإسلامية اليوم من هيمنة خارجية، ونهب

للثروات وتراجع استراتيجي أمام الغرب، في جوهره، إلى افتقادها مقومات القوة الذاتية التي يمتلكها الغرب، من قبيل رسوخ النظم الديمقراطية التي تحقق العدالة الداخلية، وبناء مؤسسات علمية متقدمة، وتطوير جيوش وطنية محترفة، فضلًا عن إقامة اقتصاد وطني متماسك يخدم مصالح المجتمع العليا. ينتقد المسيري الديمقراطية والرأسمالية والحداثة الغربية، لكنه لا يطرح نموذج حكم واضح يناسب العرب والمسلمين ليكون بديلًا من النموذج الغربي، مع أنه يطرح ما يسميه "الرؤية الإسلامية في النهوض والتقدم"، أو ما يسميه "النموذج البديل "، الذي يضمّنه أفكارًا عامة وطروحات غامضة

تستند في أساسها إلى روح الإسلام وحضارته. وتُعدّ أهمّ ركيزة في هذا المشروع أنه "نابع من

التراث". ويقصد بالتراث "مجمل التاريخ الحضاري الذي يتسع للإنجازات المادية والمعنوية

(4((من المؤلفات التي نشرها المسيري في نقد الحضارة الغربية وحداثتها، وهي كثيرة، نذكر منها: إشكالية التحيز؛ العالم من

منظور غربي؛ الفردوس الأرضي؛ دراسات معرفية في الحداثة الغربية؛ الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان؛ فكر لااستنارة وتناقضاته، إضافة إلى عشرات الكتب والبحوث عن اليهودية والصهيونية. (4((ينظر: عبد الوهاب المسيري، انهيار إسرائيل من الداخل (القاهرة: دار المعارف،.)2001 (4((المسيري، حوارات، ج  1، ص.325 (4((عبد الوهاب المسيري، العالم من منظور غربي (القاهرة: دار الهلال، 2001)، ص.301 ((4(المرجع نفسه.

للإنسان في هذه المنطقة، ويشمل ما هو مكتوب وصريح وما هو شفوي وكامن. والنموذج الحضاري الإسلامي نواته الأساسية هي النموذج المعرفي الإسلامي وأساسه القرآن والسنة اللذان يحويان القيم الإسلامية المطلقة وإجابات لا علاقة لها بالعلم. وقد نبعت حضارتنا من هذه القيم ويمكن محاكمتها من منظورها [وليس من منظور المعرفة الغربية وعلومها الحديثة]، والفقه الإسلامي يشكل محاولة الأسلاف لفهم قواعد هذا النموذج المعرفي في بعده الديني". ويضيف أن الانطلاق من التراث "يعني الاحتفاظ بهويتنا وخطابنا الحضاري، ومن لا يحتفظ بهويته لا يمكنه أن يحتفظ باستقلاله ومقدرته على المقاومة، وفي نهاية الأمر بمقدرته على الإبداع". ومن المفاهيم التي يطرحها المسيري متّبعًا منهجه في العودة إلى التراث، بوصفه الأصل، مفهوم "أهل

الذمة"؛ إذ يرى أن تقنين العلاقة بين المسلم والآخر يجري من خلال "مفاهيم فكرية مثل أهل الكتاب وأهل الذمة والجزية"، فالإسلام من وجهة نظره "لم يترك علاقة المسلم بالآخر لمفاهيم عائمة غائمة مثل المحبة والإحسان [..]. أما الجزية فسببها أن الجهاد فريضة إسلامية، الذمي غير ملزم بها بطبيعة الحال [..]. وأعتقد أن عملية التقنين هذه جعلت وضع الجماعات الدينية والإثنية تستقر إلى حد كبير في العالم الإسلامي". وبذلك، فهو لا يقبل حتى بالنموذج الإسلامي الذي طوّر اجتهادًا،

منذ عدة عقود، يقول إن مفهوم "المواطنة" أصبح يناسب الإسلام والمسلمين اليوم أكثر من مفهوم "الذمي" الغامض والمبهم عبر التاريخ. ويطرح مفهومًا مركزيًا آخر في مشروعه، وهو "إسلامية المعرفة"، ف "مشروع أسلمة المعرفة" يجب

أن يتحوّل إلى مشروع عالمي لحل مشكلات الحداثة المادية؛ لأنها الطريق الوحيدة لتخليص الغرب

من أزماته الناتجة من الداروينية المادية والرأسمالية المتوحشة، على اعتبار أن أسلمة المعرفة تضع باعتبارها أن الإنسان كائن روحي ومادي في الوقت نفسه. أما العلاقة مع الغرب، فيجب أن تقوم عن طريق "الحوار"، فهو الكفيل بتوضيح الخلافات وتضييق فجوة عدم الثقة. والحوار عنده يجب أن يقوم على "الاعتراف بالاختلاف" و"الاحترام المتبادل"، ولكن الغرب لا يعرف سوى "لغة القوة"، فهو متجبر ولا ينظر سوى إلى مصالحه، ولذلك علينا أن نطوّر نوعًا من

"الحوار النقدي" الذي يبيّن للغرب مكامن أخطائه ومدى انحيازه الأعمى إلى مصالحه، وعليه أن ينظر

أيضًا إلى حقوق الشعوب الأخرى ويأخذها في حسبانه، وكل ذلك يجب أن يجري بالحجج والبراهين، حتى لو أدى الأمر إلى تنظيم حملات مقاطعة وانتفاضات ضد المعتدي أو المحتل.

((4(المرجع نفسه، ص.302 ((4(المرجع نفسه،.303 (4((المسيري، حوارات: الهوية والحركات الإسلامية، ج  3، ص.42 ((4(المرجع نفسه، ص.43 (4((ينظر على سبيل المثال: فهمي هويدي، مواطنون لاا ذميون (القاهرة، دار الشروق،.)1999 (5((عبد الوهاب المسيري، رحابة الإنسانية والإيمان: دراسات في أعمال مفكرين علمانيين وإسلاميين من الشرق والغرب (القاهرة: دار الشروق، 2012)، ص.42 (5((المسيري، حوارات، مج  3، ص.46–44

يتوقف المسيري عند هذه الحدود، بالطبع، ولا يناقش المسائل من جهة تهاون الدول المسلمة في الصراع مع الغرب المستعمر وإسرائيل، وعدم أخذها بمبادئ فصل السلطات والانتخابات الديمقراطية والمشاركة السياسية وترسيخ مبدأ المواطنة والمساواة، فهي عنده مفاهيم مشكوك فيها من أصلها لأنها قادمة من الغرب، بل إن مثل هذه المفاهيم هي سبب الشرور القادمة منه؛ لأنها هي التي لوثته. المسيري غارق في تصور أخلاقي للحضارات، والأخلاق عنده تكاد تنفصل على نحو كلّي عن السياسة ومشكلاتها، ثمّ إن الصراع الحقيقي مع الغرب ما بعد الحداثي هو صراع أخلاقي أولًا وقبل

كل شيء؛ صراع مع "أخلاق الحداثة"، بحسب تشارلز لارمور Charles Larmore)–1950(، أو "المنابع الأخلاقية للحداثة" بحسب تشارلز تايلر Charles Taylor)1931(. يمكننا في ختام مناقشتنا للتيار المحافظ ما بعد الحداثي، مُمَّثّالًا بالمسيري، تقديم الملاحظات النقدية

التالية:

1. مشكلة هيمنة "العامل الخارجي" على "الداخل المُستلب"

وفق هذه المشكلة، يصل الأمر إلى تهميش الوضع الداخلي العربي لمصلحة تفسير كل أزمات العرب والمسلمين بوصفها نتيجة لسياسات الإمبريالية الغربية وما بعد الحداثة وقيمها المادية. وفي هذا السياق، يبدو الفاعل المحلي العربي كأنه وعاء سلبي تصُبُّ فيه التأثيرات الخارجية من دون إرادة أو

مسؤولية، ما يؤدي إلى غياب واضح في الطروحات الفكرية لهذا التيار فيما يتعلق بآليات المقاومة والتحليل الجذري للواقع العربي الراهن. وغالبًا ما تُستدعى نماذج تراثية غامضة تُعاد صياغتها

بما يخدم الحنين إلى الماضي أكثر من تقديمها بدائل واقعية قابلة للتحقق. ومن اللافت للانتباه أن التحليل السياسي للواقع العربي شبه غائب، حتى ليبدو أن الواقع الراهن خارج نطاق التفكير لدى التيار المحافظ. وتجدر الإشارة إلى أن لهذا التجاهل مفارقاته؛ فالواقع العربي المعاصر لم يدخل عصر الحداثة بالعمق نفسه الذي دخله الغرب، ولم تترسخ فيه قيم المواطنة والديمقراطية، ثمّ إنّ اقتصادات المنطقة لا تزال

محدودة التأثير في النظام الرأسمالي العالمي. لذا، فإنّ ما تواجهه المنطقة من أزمات قد يكون نابعًا،

إلى حدّ بعيد، من ظروف محلية داخلية، وليس من آثار ما بعد الحداثة فحسب، وإنّ تغييب الواقع العربي المعاصر ضروري للتيار المحافظ، لأنه يسدّ ثغرة كبيرة في بنائه الفكري؛ إذ يجنبه مساءلة الأنظمة السياسية المحلية أو تحميلها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. فكيف لمنطقة لم تخض تجربة الحداثة بشكل كامل، أن تُعزى أزماتها إلى تطورات ما بعد الحداثة؟

(5((ينظر: تشارلز لارمور، أخلاق الحداثة، ترجمة مايكل مدحت يوسف (القاهرة: المركز القومي للترجمة،.)2022 (5((ينظر: تشارلز تايلر، منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2016)؛ تُبنى أخلاق الحداثة أو "الأنطولوجيا الأخلاقية" الحديثة عند تايلر على مجموعة من القيم أهمها: ثقافة احترام الذات،

ومسؤولية الذات عن نفسها، والتحرر من السلطات، واحترام الأديان، وتوازن العلاقة بين الفرد والمجتمع، واحترام التعددية الثقافية والحقوق الثقافية للأقليات، وثقافة الاعتراف، وحقوق الإنسان، على الرغم من أن الأمور لا تسير بوتيرة واحدة وأن هناك موجات من الحماسة للفردية المفرطة وتجاهلًا لحقوق الأقليات الثقافية والعنف المنفلت على أساس الهوية. ينظر: المرجع نفسه.

إن عزل التيار المحافظ للواقع السياسي العربي المعاصر عن بحوثه ليست مثار استغراب فحسب، بل إنها أيضًا مثار شك، حتى ليبدو للمرء أن بعض مفكريه يتجنبون عمدًا تناول الوقائع السياسية الراهنة. ويتجلى هذا الهروب من الواقع في اتجاهين: إما بالارتداد إلى التراث الإسلامي بوصفه مصدرًا

للحلول، وإما بالتوجه إلى نقد الغرب وتحميله مسؤولية الانحدار الحضاري الحالي.

2. فكر تأملي يتجاهل أصول المناهج العلمية المعاصرة

نتيجةً لابتعاد التيار المحافظ عن الواقع، وتمسكه بالطرح التأملي المجرد، فإن مفكريه يندرجون، في الغالب، ضمن نموذج "المفكر" التأملي، لا "الباحث العلمي". فبحسب التقسيم المعرفي الشائع، يجري التمييز بين المفكر التأملي الذي ينشغل بتكوينه الأيديولوجي وبالمفاهيم الكبرى والجدالات العامة، والمفكر الباحث الذي يبني أطروحاته على مناهج علمية تحليلية تُخضع الواقع للفحص المعرفي والنقدي والإحصائي الدقيق. المسيري مفكر تأملي وليس باحثًا. الباحث لا يكتفي بالركون إلى أيديولوجيات وأفكار ذاتية، بل يحدس الظاهرة عبر تحليلها نقديًا واللجوء إلى تركيبها تركيبًا

عابرًا للعلوم والمناهج. الباحث المعاصر يحتاج إلى مثل هذا المنهج عندما يفكر في مشكلة حياتية

أو ظاهرة اجتماعية أو قضية سياسية، لأنه يساعده على اكتشاف أسباب جديدة لمشكلة قديمة، أو إعادة ترتيب الظاهرة بطريقة مختلفة عما هو موجود في الأدبيات السابقة، أو وضع القضية في سياق مختلف عما هو متداول بين الباحثين، أو العودة إلى تاريخ الظاهرة وفهمها في سياق تاريخها. الظاهرة الاجتماعية ظاهرة مراوغة تبدّل وجهها من حين إلى آخر، وتسمح لعوامل كثيرة بالتأثير فيها، وتظهر بخصوصيات عديدة من مجتمع إلى آخر، ومن زمن إلى آخر أيضًا. أما التعلق بفرضيات رغبوية متعلقة بنهاية الغرب وإسرائيل نظرًا إلى عوامل داخلية أخلاقية، أو الاعتقاد أن العالم العربي الإسلامي

سينجو من أوضاعه المتردية ما إنْ يتراحم الناس فيما بينهم، فليس من العلم في شيء. إنّ مثل هذا العيب (الاقتصار على التأمل) أمرٌ متضخم عند المفكرين العرب عمومًا؛ إذ نادرًا ما تجدهم

يضمّنون محاجّاتهم إحصاءات أو أرقامًا موثوقة من مصادر جامعية أو منظمات عالمية، وذلك على

عكس المفكرين الغربيين، مثل صامويل هنتنغتون Samuel Huntington (2008–1927) وفرانسيس فوكوياما  Francis Fukuyama (1952–)، وغيرهما ممن تجد كتبهم متخمة بالإحصاءات العلمية، على الرغم من توجهاتهم التأملية.

3. التبني اللاواعي لفكر ما بعد الحداثة

على الرغم من النقد الجذري الذي يوجهه التيار المحافظ إلى فكر ما بعد الحداثة الغربي بوصفه نتاجًا لخصوصية ثقافية غربية متفوقة ستدمر العالم، فإن هذا التيار، عن وعي أو لاوعي، يتبنى كثيرًا

من استراتيجياته الفكرية. فإذا كان فكر ما بعد الحداثة قد رفض ادعاء وجود قيم أخلاقية كونية، وأصر على العودة إلى الخصوصيات الثقافية، فإن التيار المحافظ يعيد إنتاج هذا الموقف مع تعديل

((5(هذا ما يفسر، مثلًا، تضخيم وائل حلاق وطه عبد الرحمن فكرة تأثير الغرب في العالم العربي/ الإسلامي حتى يخال المرء،

عندما يقرأ كتبهما، أن العرب والمسلمين في القرن التاسع عشر كانوا في قلب الحداثة الغربية.

في المضمون فقط. فكلاهما يتفق على أن الثقافات والأديان تختلف اختلافًا جوهريًا قد يصل إلى

التناقض، لكن الاختلاف يكمن في الترتيب: فبينما يجعل الفكر الغربي ما بعد الحداثي من الثقافة الغربية محورًا ومركزًا، يجعل المسيري والتيار المحافظ من القيم الإسلامية المركز الأخلاقي الوحيد

القادر على إنقاذ البشرية. وإذا كان فكر ما بعد الحداثة الغربي يحدّد وظيفة المثقف في "الكشف عن أوهام الحداثة" أو "نقد الحداثة"، فإن التيار المحافظ، على الرغم من رفضه هذا الفكر، يتبنى الوظيفة نفسها؛ إذ تبدو أعمال المسيري منشغلة في معظمها برفض الحداثة الغربية وفضح تناقضاتها وقيمها المادية. إن اعتماد فكر ما بعد الحداثة على تفكيك الهويات الإنسانية لمصلحة الهويات الثقافية والدينية والسياسية يجد صداه في كتابات التيار المحافظ، الذي ينطلق هو أيضًا من ثنائية هوياتية صارمة مبنَّيَة

على أساس ديني/ حضاري، فكأن هذا التقسيم أصبح نموذجًا تفسيريًا شاملًا للعالم.

4. تفكيك الحداثة الغربية من منظور عدمي

إن نقد مفكري التيار المحافظ العرب لما بعد الحداثة يحمل تناقضًا داخليًا مربكًا لأي دارس لهم. فهم

من جهة يتبنون نقد ما بعد الحداثة للعالم الغربي على نحو كامل (تراجع دور الدولة مقابل الشركات الاقتصادية، وتضخم الانفلات الأخلاقي، وتراجع دور الدولة الأخلاقي، وتحوّل المعرفة إلى سلطة،

وظهور علامات على قرب زوال الحضارة الغربية، والنزعة الإمبريالية... إلخ). لكن، من جهة ثانية، تجد أن تبنيهم لهذا النقد هو تبٍّنّ عدمي/ هدام يخنق الحداثة حتى تموت، وذلك بخلاف أغلب ما بعد الحداثيين

الغربيين الذين ينقدون الحداثة، إما من باب تعديل/ تحويل مسار الحداثة حتى لا تقع في مشكلات بات من الواضح بالنسبة إليهم أنها ستقع فيها أو وقعت فيها فعلًا، أو من باب تحسين/ تثمير منجزات الحداثة السياسية وصون مستقبلها لتكون أكثر إخلاصًا لأهدافها الكبرى. في الحالتين يريدون إنقاذ الحداثة.

حتى ليوتار، مثلًا، على الرغم من اعتقاده أن ممارسة العدالة لم تعد ترتبط ب "فكرة الإجماع" (نقده لهابرماس)، فإنه بقي مقتنعًا بأن "العدالة بوصفها قيمة لم يَفُت أوانها ولا هي مشكوك فيها" بالنسبة

إلى الغرب. ثمّ إنّ نقد فوكو لعلاقات السلطة التي تسري في المجالات المعرفية كان من أجل فضح

تلك العلاقات وتقوية الذات أو المواطن الغربي ضد كل سلطة، وليس من أجل التلويح بنهاية الغرب وبأن علاقات السلطة وهيمنتها على المجتمع ستطيح المجتمع. كل ما في الأمر أنه يطرح طرائق مختلفة للتفكير ومقاربة جديدة للسلطة لم تعد تأخذ في الاعتبار أن السلطة مرتبطة بالحاكم فحسب، بقدر ما هي منتشرة في مختلف مؤسسات المجتمع مثل المستشفيات والسجون والجامعات والمدارس وغيرها. ثمّ إنّ مفهوم الاختلاف لا يعني تدمير المجتمع أخلاقيًا بقدر ما يعني أن تأخذ الفئات المهمشة حقها

في التعبير عن نفسها بوصفها فئات مختلفة، وذلك على الرغم من أن هناك من يتهم فلسفة الاختلاف بأنها همشت الصراعات السياسية داخل المجتمع، بحيث لم تعد ثمّة أهمية للوقوف مع القيم الإنسانية

الكبرى.

((5(ليوتار، ص.79

الحداثة مشروع لم يكتمل بعد – على حد تعبير هابرماس – بل ما زال قائمًا ويتطور داخليًا،

ولا سيما الحداثة السياسية؛ فالنموذج الحداثي سياسيًا، متمثلًا في الدولة الديمقراطية الليبرالية وقيمها

بشأن المواطنة والحرية والمساواة أو العدالة، يزداد رسوخًا وثباتًا وتطورًا، لا سيما مع تطور مقاربات

الليبرالية الاجتماعية أو الطريق الثالثة. أما النيوليبرالية المعولمة، وبخاصة اقتصاديًا، فلم تنجح في

تغيير واقع الدولة الليبرالية الديمقراطية، بل ما زالت المجتمعات كونيًا تنشد التحول الديمقراطي

وتتخذ الديمقراطية نموذجًا، و"الربيع العربي" مثال على ذلك، بوصفه ثورات على النماذج التسلطية،

بما هي ما قبل حداثية، وهي تنشد التحديث السياسي أو الدمقرطة وتحقيق قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية خاصةً. ففكر ما بعد الحداثة في الغرب ما زال تيارًا موضع جدل واختلاف، ومحصورًا

في بعض النخب الفكرية والفنية والأدبية، وغير سائد سياسيًا وواقعيًا في الغرب. نتيجة لذلك، لا يمتلك المسيري، والتيار المحافظ عمومًا، أصالة فكرية، بل هو تيار يعيد إنتاج خطاب

ما بعد الحداثة الغربي بعد تحويل مضامينه لمصلحة مشروع أيديولوجي خاص به، من دون أن يطور أدوات تحليل واقعية أو مشروعًا فلسفيًا متماسكًا قادرًا على مواجهة أسئلة الحاضر. يضاف إلى ذلك،

أنه يهدم ولا يبني، أو يهدم ليبني بتصورات قديمة.

5. تهميش القضايا الكبرى لمصلحة قضايا جزئية هامشية

كثيرًا ما يلحظ القارئ، عند تناول رموز هذا التيار، نزعةً إلى الإغراق في قضايا جزئية وهامشية ويومية

في مقابل تهميش القضايا الكبرى المرتبطة بالمواطنة والتحوّل الديمقراطي وحقوق الإنسان، وهو

ما يعكس انزياحًا في أولوياتهم من السياسي والاجتماعي إلى اليومي والمعيشي. ويُعدّ المسيري

مث لًا على هذا التوجّه؛ إذ يحوّل، في كثير من مؤلفاته، مساحات واسعة إلى سرد مطوّل لتفاصيل

حياته اليومية وتجربته الشخصية، ومشاهداته لعادات الناس بحيث يبدو أحيانًا كأنه "راوٍ حكواتيّ"

يحدّث قارئه عن الأشخاص الذين يلتقيهم، وعن أسرته وأصدقائه ومشاهداته في السوق، ليستخلص

منها عِبرًا بسيطة تميل إلى الطابع الوعظي، ونزعةٍ معرفية متعالية تفترض امتلاك الحقيقة واحتكار

الفهم. ويَّتَضح هذا الميل في انشغاله بموضوعات متفرقة كتب فيها مطولًا، مثل قضية التحيّز في

المناهج العلمية، وكتابة قصص الأطفال، والسيرة الذاتية، والنقد الأدبي، والشعر، والفنون؛ ما يعكس في جوهره، انصرافًا عن القضايا البنيوية الكبرى نحو تفاصيل جزئية تُقَدَّم بوصفها مؤشرات ثقافية أو أخلاقية عامة.

ثالثًا: تيار ما بعد الحداثة المنفتح التغريبي: علي حرب

يُعَُّدُ علي حرب من أبرز المفكرين العرب الذين انشغلوا بالتأسيس لفكر ما بعد الحداثة في الفكر

العربي المعاصر؛ إذ تتسم مجمل كتاباته بروح ما بعد حداثية يغلب عليها القلق العميق إزاء النزعة التدميرية للإنسان، والتشاؤم الذي يصل إلى حد اليأس من تراجع القيم الإنسانية والأخلاقية، والتسليم بأن العولمة تلتهم كل شيء، وأن النزعة الإنسانية الحداثية قد وصلت إلى طريق مسدودة وأفلست في

تحقيق وعودها. ويُسلّم حرب، في سياقات عدة، بأن دور المثقف التقليدي قد تلاشى وانتهى، على الرغم من أنه يدعو – في لحظات تفاؤله المحدودة – إلى ضرورة إنجاز عمل ما للحدّ من هذا الدمار المتسارع الذي يهدد القيم والإنسان معًا. وتُعد دعوته إلى توظيف مقولات ما بعد الحداثة في قراءة الواقع العربي وتفكيكه محورًا ثابتًا في معظم أعماله. وتتمثل القضية الأساسية في فكر حرب في تأكيده أننا "نجد أنفسنا، عربًا وبشرًا، في وضعية وجودية

مأزومة، ولم يعد يجدي في معالجتها رفع الشعارات القديمة أو الحديثة التي أظهرت فشلها أو استنفدت نفسها، سواء تعلق الأمر بالإسلام والعروبة أو بالماركسية والاشتراكية أو بالحداثة والديمقراطية أو بالإصلاح والتنمية. مما يعني أن ما كان يمثل معايير الحداثة والعقلانية والتحرر والتقدم قد استنفد نفسه وبات يعطي مردوده العكسي". وانطلاقًا من نقده للحداثة، تبنّى عددًا من المفاهيم المستمدة من سياقات ما بعد الحداثة، مثل: "نقد الحقيقة"، و"العقل التداولي"، وإعادة الاعتبار إلى "اللامفكر فيه أو الهامش"، ونقد دور "النخبة الفكرية"، والأخذ ب "التفكيك" طريقةً في التفكير، و"تأويل التراث" للخلاص من هيمنته، وأخذ مفهوم "أزمة الهوية" بوصفه مفهومًا كاشفًا لخلفية عدد من الأزمات التي

يعانيها العرب. ويرى أنّ هذه المفاهيم، إذا أُحسن توظيفها، يمكن أن تسهم في كسر حالة الجمود والتعقيد والأدلجة التي تكبّل الفكر العربي اليوم. هذا هو الإطار الذي تتحدد في ضوئه رؤية حرب لما بعد الحداثة، في السياق الغربي أو في السياق العربي. وسنركّز على قضيتين أساسيتين حازتا اهتمامًا خاًّصًا في مشروعه الفكري، هما: نقده للنزعة الإنسانية في الحداثة، ونقده لدور المثقف في العالم العربي.

1. نقد المركزية الإنسانية

يُبنى نقد علي حرب للمركزية الإنسانية على رفضه لقيم الحداثة التي تتمحور حول الإنسان (يسمي أتباع الحداثة "الإنسانيين")؛ أي رفض فكرة اعتبار الإنسان مصدرًا أوحدَ للقيم والأخلاق، وأن مصالحه تعلو فوق كل اعتبار. يعتقد حرب أن هذا الإنسان، في جوهره، عاجز عن إدارة شؤونه بمفرده، وكثيرًا ما يصفه بجملة من الصفات السلبية، منها: "جاهل"، و"ظالم"، و"هش"، و"لا يرحم"،

"و"حيوان"، و"شرس"، ولا هم له سوى "الفتك بالآخرين". ويختصر حرب موقفه الحادّ في عبارة يكررها دائمًا: "الإنسان هو المشكلة".

(5((علي حرب، أزمنة الحداثة الفائقة: الإصلاح – الإرهاب – الشراكة (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.16 (5((نشير هنا إلى عدد من عناوين مؤلفات علي حرب التي يقدم فيها هذه المفاهيم: التأويل والحقيقة؛ نقد الحقيقة؛ هكذا أقرأ

ما بعد التفكيك؛ خطاب الهوية؛ لعبة المعنى؛ العالم ومأزقه؛ ينظر أيضًا: علي حرب، الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة،

ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2010 (5((حرب، أزمنة الحداثة الفائقة، ص.249 (5((هذه العبارة عنوان فصل كتبه علي حرب ينظر: حرب، الإنسان الأدنى، ص.9

ويرى حرب أن مشكلات عصرنا الراهن تعود إلى عقليتين متقابلتين تتحكمان في رؤية الإنسان لنفسه والعالم: الأولى، "الشكل اللاهوتي المداور وغير المباشر، حيث الإنسان خليفة الله وأشرف

المخلوقات والكائن الذي سُخّر له كل شيء؛ ثم الشكل العلماني السافِر والمباشر، حيث الإنسان

يحمل المسؤولية عن نفسه بنفسه من دون مرجعية غَيبية، ويقدّس نفسه بصفته سيد الطبيعة ومالكها، أو بصفته كائنًا أعلى وذاتًا متعالية يبيح لنفسه كل شيء بقدر ما يعتبر نفسه غاية كل شيء". والمشكلة – بالنسبة إليه – تكمن هنا؛ أي في هذه الرؤية الدينية والإنسانية لأنها هي "مصدر الفساد والدمار، للإنسان نفسه وللطبيعة والبيئة. وعلة ذلك أن الواحد منّا عندما يفكر ويتصرف بصفته غاية بذاته، فمآل سعيه أن يدمر غيره من الخلائق، أو يدوس على نظرائه من الناس، كما يجري حتى الآن،

سواء تحت شعارات الإنسان المتأله وصاحب الدور النبوي، أو تحت شعارات الإنسان المتعلمِن والكائن الأرضي". نتيجة لذلك، "ترجمت الشعارات الدينية والمشاريع الفلسفية، على تعارضها، مزيدًا من التمييز والاضطهاد أو التسلط أو العنف والإرهاب، فضلًا عن الآفات والكوارث المتعلقة بالفقر والأوبئة والتلوث". لكن كيف يعكس حرب هذا التحليل ما بعد الحداثي على السياق العربي الراهن، وماذا يفعل العرب إزاء فشل مشروعات الإسلاميين والقوميين والحداثيين والماركسيين والتنمويين وغيرهم، لا سيما في سياق توصيفه حرب القاسي للعرب بأننا (يستخدم دائمًا ضمير المتكلم ونحن): "لا نحسن تشغيل

عقولنا"، و"نمارس الخداع والزيف"، و"شوهنا سمعتنا في العالم"، و"نموّه على المشكلات وننفي

الحقائق"، و"عقولنا مفخخة"، و"عقليتنا قاصرة"، و"عاجزون"؟ حلول علي حرب عائمة ومبهمة، ويغلب عليها اللغة الخطابية، وعدم تحديد المصطلحات التي يستعملها بدقة. والطرح الأساسي عنده هو "الإصلاح"، لكن كيف يتحدد هذا المصطلح؟ يقول حرب: "إن الإصلاح لا تقوم به نخبة أو قلة، كما أنه ليس مجرد تطبيقات للنظريات أو احتذاءً للنماذج،

وإنما هو حصيلة جهود المنخرطين فيه جميعًا. فكل فاعل يؤثر في مجتمعه على نحو ما تؤثر الفراشة في المناخ بحركة طفيفة من رفّة جناحها التي يمكن أن توّلد سحابة ممطرة. وكل مضارب أو لاعب

في البورصة يغير بمفرده الدورة الاقتصادية على نحو ما يؤثر سلوك النملة الواحدة في مسيرة النمال الباحثة عن غذاء [...]. فالأحرى أن نتعامل مع الأفكار بوصفها طاقتنا الحيّة وقدرتنا الخارقة على

التغيير والتجديد، ونتغير معها ونسهم في تغيير الآخر، أو نعمل على إغنائها وتطويرها بقدر ما ننجح في تغيير بنية الواقع وصورة العالم". غير أنه لا يوضح كيف يمكن ترجمة هذا الإصلاح إلى برامج

((6(المرجع نفسه، ص.10 ((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه. (6((حرب، أزمنةالحداثة الفائقة، ص  71–68. يذكر أن مثل هذه التوصيفات كررها حرب كثيرًا في كتبه عندما يأتي على ذكر العرب

والوضع العربي والثقافة العربية والإنسان العربي. ((6(المرجع نفسه، ص.75–74

وسياسات ملموسة في بلدان عربية مثل سورية ولبنان وتونس والجزائر والعراق وغيرها، وكيف يظهر في المجال السياسي المباشر للعرب الساعين للانتقال الديمقراطي. وسبب ذلك أن مفاهيمه وإشكالياته التي يدور تفكيره داخلها هي مفاهيم وإشكاليات نشأت في سياق ما بعد الحداثة الغربي، وليس لها أي معنى أو توظيف واضح في السياق العربي. في الواقع، إن إشكالية فكر ما بعد الحداثة أنه نقد للحداثة وقيمها ومسارها في الغرب. أما في السياق العربي، فإن الوضع الحداثي أمرٌ لم ينجز بعدُ وما زال في بداياته. والإشكالية الكبرى التي يدور

العرب في فلكها اليوم هي وجود استقطاب حاٍّدٍ بين من يريد التغيير والديمقراطية وترسيخ مفهوم المواطنة، ومن يقف بكل ما يستطيع من قوة في وجه ذلك. والنظر من زاوية ما بعد الحداثة لهذه الإشكالية لا يفيد العرب كثيرًا. في هذا السياق، يمكن أن نلاحظ مفارقة لافتة للانتباه في فكر حرب؛ ففي الوقت الذي يصف الإنسان في العالم العربي بأنه عاجز وغير مؤهل، يدعوه إلى المساهمة في مشروعه الإصلاحي الذي يستند إلى مفاهيم ما بعد حداثية، والتي لا تثق كثيرًا بقدرة الإنسان على التحكم في مستقبله. هنا نصل إلى نقطة قد تكون حساسة في فكر حرب تتمثل في تناقض فكره الداخلي. لقد وجدنا أنه يتعامل مع الحداثة من باب الرجم واللعن وتحميل قيمها المسؤولية الكاملة لمشكلات العالم اليوم، وأنها هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من حروب ودمار وخراب وإرهاب وفقر وتخريب للبيئة. لذلك، نجده يقدّم مفاهيم مثل: "التفكيك"، و"التداول"، و"الاعتراف"، و"العقلانية التداولية"، و"الفكر المركب"، و"المواطن العالمي"، وغيرها، حتى نخرج مما نحن فيه. غير أن المفاهيم التي يقدّمها هنا ظهرت على يد مدرسة فرانكفورت، بأجيالها الثلاثة، وإدغار موران وغيره من الذين لا يشاطرونه النظرة التشاؤمية المفرطة للحداثة ولا يعتبرون قيمها سبب فشل العالم اليوم. إن هؤلاء المفكرين لا يرون الإنسان كائنًا شريرًا وفاشلًا ولا يعتبرون قيم الحداثة أصلًا في فشل العالم

اليوم؛ بل ينظرون إلى الحداثة بوصفها مشروعًا مفتوحًا لم يكتمل بعد، ويؤمنون بأنها قادرة، عبر النقد

الذاتي والتجديد المستمر، على تجاوز أزماتها من داخلها. وهم يختلفون في التفاصيل والسبل، لكنهم يشتركون في الثقة بالإنسان وقدرته على التحكم في مصيره وتغيير العالم نحو الأفضل؛ وهي رؤية تناقض كلًّيًا موقف حرب الذي يشكك في الإنسان وقدرته أصلًا معتبرًا أنه "لا يمكنه التحكم

بمجريات الأمور". هكذا يتكشف التوتر البنيوي في فكر حرب: فهو من جهة يرفض أسس الحداثة والنزعة الإنسانية، ومن جهة أخرى يبني مشروعه النقدي والإصلاحي اعتمادًا على مفاهيم نشأت أصلًا داخل هذه الحداثة وبفعل نقدها الذاتي المتواصل.

((6(يبدو أن حرب متمسك بهذه النظرة عن الإنسان حتى اليوم. "'هل إنسانيتنا هي المشكلة؟'.. المفكر اللبناني 'علي حرب' ضيف

معرض الكتاب"، المصري اليوم، 2025/1/30، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BOV8

2. نقد دور النخب

يحمّل حرب المثقف، مرارًا وتكرارًا، مسؤولية الفوضى والعقم الفكري والسياسي اللذين

يعانيهما العالم العربي، معتبرًا أن المثقف العربي يعاني أزمة مزدوجة تتمثل في فقدانه "المصداقية

الفكرية" و"الفاعلية النضالية"، بعد تصدع نظرياته وتحول شعاراته إلى "مطلقات خاوية أو متعاليات هشة، وبعد أن تكشفت محاولات الاستنارة والعقلنة عن عتمتها ولامعقوليتها، وبعد أن آلت مشاريع التقدم والتحرر إلى رجعيتها واستبدادها. وذلك هو المأزق المحرج في وضعية المثقف: انفجار العلاقة بين الدال والمدلول؛ ما جعل الأفكار الكبرى التي شهَر المثقفون سلاح النقد من أجلها تتحول إلى سلاح عاجز، مفلول، يرتد على أصحابه، ولا ينتج سوى ألغامه". وفي هذا السياق، يرى أن قيم الاستنارة (التنوير) تحولت لدى المثقفين العرب إلى شعارات يدافعون عنها، وتحولت الحرية إلى "هوام" يتعلقون بها، وتحولت الديمقراطية إلى نموذج يدعون إلى تطبيقه من دون أي ممارسة تجريبية سياسية، لينتهي من هذا النقد إلى أن المثقف العربي "بات أعجز من أن يقوم بتنوير الناس؛ إذ هو الذي أصبح يحتاج إلى التنوير". على عكس تحليل حرب يمكن القول: إذا كان من يمنع المثقف من ممارسة تجربة سياسية هو السلطة، فالأحرى به أن يوجه نقده إلى السلطة السياسية القائمة والتثوير ضدها؛ لأنها محور الأزمة وسببها، لا التركيز على المثقف وتحميله المسؤولية. يرى حرب أن المثقف العربي لا يزال أسيرًا لأنماط تقليدية من التفكير والممارسة على الرغم من

تحولات العالم نحو العولمة وما بعد الحداثة. فقد بقي مثقفًا مؤدلجًا، يؤدي دورًا وصائيًا على

المجتمع، ويردد شعارات ومشاريع فكرية كبرى – سواء أكانت تنويرية، أم تقدمية، أم إسلامية، أم عقلانية، أم حداثية – من دون القدرة على تجاوزها أو نقدها بفاعلية. ويشير كذلك إلى أنّ الثقافة الشخصية للمثقف العربي غالبًا ما تتسم بالنزعة الذكورية وعدم التسامح، وأن علاقاته بزملائه المثقفين

تتسم ب "انعدام الديمقراطية" و"تضخّم الذات"، فضلًا عن "ارتباطه العاطفي المفرط بأفكاره". ويذهب إلى حد اعتبار المثقف العربي سببًا رئيسًا في أزمات المجتمعات العربية، بل يراه مسؤولًا عن

هذه الأزمات أكثر من الساسة أنفسهم. ينطلق حرب من مقولة "نهاية المثقف" النخبوي والوصائي، ويرى أنّ المشكلة تكمن في النخبوية ذاتها؛ ذلك "أن النخبوية، قد آلت إلى العزلة والهامشية، وأنتجت التفاوت والاستبداد، بقدر ما جسّدت الاصطفاء والنرجسية لدى النخب الثقافية". والمطلوب اليوم هو "تغيير علاقة المثقف

(6((علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، (بيروت – الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص.10 ((6(المرجع نفسه، ص.13–12 ((6(المرجع نفسه، ص.13 ((6(المرجع نفسه، ص.11–10 ((7(المرجع نفسه، ص.13

بذاته ومهمته، وبعد كل هذا الهُزال الوجودي والقصور المعرفي والسياسي، أي بعد الفشل في مهمة

قيادة المجتمع أو البشر، نحو عالم أقل استلابًا وأكثر تقدمًا، سواء تعلق الأمر بقول الحقيقة أو ممارسة

الحرية أو بتحقيق العدالة، فالأجدى أن يعمل المثقفون على التحرر من أوهامهم النخبوية، لإعادة صوغ المفاهيم المتعلقة بالتغيير الاجتماعي والعمل السياسي أو الإنمائي". المطلوب منهم "فتح مفهوم الحقيقة، على المغاير والمختلف، أو على الهامشي والمنفي، أو على الضد والنقيض، بل على ما نحسبه الغلط أو الخطأ، أي كل ما يستبعده خطاب الذات". غير أنّ هذا النقد الذي يقدّمه حرب، وإن كان يسلط الضوء على اختلالات حقيقية في دور المثقفين العرب، ويكشف عن عيوبهم وانغلاق أغلبهم أيديولوجيًا وفسادهم، وهو نقد وجيه في تقديرنا،

فإنه يعاني تضخيم غير واقعي لدور المثقف. فالمثقفون، في السياق العربي، لا يملكون ذلك الدور المركزي الذي توهمه حرب، ولا يمكن مقارنة تأثيرهم بتأثير السياسيين أو القوى التقليدية في المجتمعات العربية. ووفقًا لبيير بورديو Pierre Bourdieu (2002–1930) على الأقل، يظل المثقفون عالقين في حبائل دور مركب يتمثل في أنهم "بصفتهم أصحاب رأس مال ثقافي، فئةٌ مُهيمنٌ عليها

داخل الطبقة المهيمِنة"، تهيمن عليهم السلطة السياسية على الرغم من الدور النقدي والتنويري الذي يؤدونه في المجتمعات التقليدية والحديثة. وبناءً عليه، لا يمكن اعتبارهم السبب الأساسي

لمشكلات العالم العربي. وما يسميه حرب "أزمة المثقفين" في العالم العربي هي أزمة ناتجة، أو متفاعلة، أو انعكاس لوضع مسبق هو الوضع اللاديمقراطي السائد في المنطقة. والصفات والعيوب التي يحمّلها للمثقفين العرب تكاد تكون سمة مشتركة في بلدان العالم غير الديمقراطية. وكان الأجدر

به أن يتناول أزمة المثقفين من هذا المنظور ليتسنى له رؤية الأزمة على نحو أكثر وضوحًا. بل يمكن

القول إن هذا التضخيم لدور المثقف يبِّرِئ – على نحو غير مباشر – السياسي من مسؤولياته وفشله،

ولو جزئيًا على الأقل، بل يحوّل الإشكالية التي يعانيها العالم العربي من أزمة سياسية ومطالب، على

السياسيين أخذها في الاعتبار، إلى أزمة فكرية يطالب فيها المثقفون بمراجعة أفكارهم. يزداد الأمر تعقيدًا إذا علمنا أن حرب لا يفضّل أن يكون لدى المثقف دور سياسي أو أخلاقي واضح في نقد السلطة السياسية وتقييمها. فمهمة المثقف، في تصوره، تظل مهمة فكرية خالية من أي محتوى سياسي، ولا يجوز أن يبقى مهتمًا بالحقيقة على الطريقة التقليدية ولا أن يتمسك بالقيم الأخلاقية على

طريقة الإنسانيين. ويقول في هذا السياق: "إنّ نقد السلطة، وإن كان ينطوي على جرأة، لم يعد يشكل سبقًا، بل هو يكاد يفقد جدواه على كثرة ما يمارسه المثقفون العرب. ومن هنا فأنا أعطي الأولوية الآن، لنقد النقد، أي لنقد خطاب الحقيقة بالذات، ذلك أن هذا الخطاب ينطوي على قدر من الخداع بقدر ما يتستر على حقيقته وسلطته. بهذا المعنى إن الخطاب ينتج الحقيقة بقدر ما يدعي كشفها. ومن هنا لا ينبغي تبسيط الأمور، أي لا ينبغي أن ننخدع ببيانات الحقيقة وادعاءات المعرفة. ربما كانت

((7(المرجع نفسه، ص.14 ((7(المرجع نفسه، ص.19 (7((بيير بورديو، مسائل في علم لااجتماع، ترجمة هناء صبحي (أبوظبي: كلمة، 2012)، ص.114

مهمة الصحفيين هي الاهتمام بإذاعة الحقائق وكشف الفضائح. أما المشتغل في حقل الفكر فهو الذي يقدم إمكانات جديدة للتفكير، تتغير معها علاقتنا بالأشياء بقدر ما يتغير مفهومنا للحقيقة بالذات". ينطوي هذا الموقف على قناعة مفادها أن مجال المثقف يختلف جذريًا عن مجال السياسي. المثقف

عند حرب معني بالتفكير وإعادة النظر في الحقائق وممارسة النقد على الفكر واجتراح المفاهيم، لكنه غير معني بأي دور سياسي أو أخلاقي مباشر. بالنسبة إليه، إذا مارس المثقف دورًا ناقدًا للسياسة

أو السلطة، فإنه يؤدي ذلك إما من أجل "تنزيه نفسه أو تبرئة مواقفه"، أو بدافع النفاق أو "معارضة سياسات لكي يتبنى أخرى". وهكذا، يبدو أنه يميل إلى الثقة بالسياسي أكثر من المثقف؛ إذ ينظر إلى الأخير بعين الشك والريبة. على الرغم من أن فكر ما بعد الحداثة يركز على تحليل علاقات السلطة وتفاعلها داخل أي موضوع تتناوله، فإن حرب لا يركز كثيرًا على العلاقات السلطوية بين المجال الثقافي والمجال السياسي.

وإذا عدنا إلى كتابه أوهام النخبة، فإننا نجده يقدّم نموذجًا للعلاقة "المنتجة والفعالة" بين المثقف

والسياسي، بحيث يؤدي "انفتاح المفكر على السياسي إلى تغيير سياسته الفكرية، وبشكل يتيح له ابتكار إمكانات جديدة للتأمل والتفكير، كما يؤدي انفتاح رجل السياسة على منتجات الفكر، إلى تغيير فكره السياسي وبصورة تتيح له اشتقاق إمكانات جديدة للعمل والتدبير. على هذا النحو يمكن أن تنشأ علاقة تبادل مثمر وتفاعل خّلا ق، بحيث أن تغيير سياسة الفكر، يسهم في خلق واقع فكري تتغير معه العلاقة بالواقع السياسي، كما أن ابتداع ممارسات سياسية جديدة، يسهم في خلق واقع مجتمعي تتغير معه العلاقة بالأفكار". في الواقع، يمكن القول إنّ حرب قد يكون خلط بين طبيعة كٍّلٍ من سلطة السياسيين وسلطة المثقفين، وهو خلطٌ يعكس، في جوهره، تأثرًا بالرؤية ما بعد الحداثية التي تُذيب الحدود بين مجالات السلطة

والمعرفة. فدور المثقف – ونحن هنا نتفق مع عزمي بشارة وإدوارد سعيد – يتمثل في بلورة "موقف منحاز إلى الديمقراطية والمواطنة بغرض ترسيخ مبادئها"، و"قول الحق في وجه السلطة "، والانتصار لحقوق الناس وحريتهم؛ أي إنه دور تغييري نقدي لا يكتفي بتأمّل الخطاب، بل يسعى

لمساءلة الواقع وتغييره. أما السياسي، فعادةً ما يسعى للحفاظ على بنية الواقع القائمة بما يخدم استمرارية سلطته ومصالحه؛

(7((علي حرب، الفكر والحدث: حوارات ومحاور (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1997)، ص.147 ((7(المرجع نفسه، ص.142 ((7(يقول حرب في جواب عن سؤال طرحه عليه الصحافي حبيب معلوف يتهمه فيه بأنه ينقد المثقفين ويدافع عن السياسيين (المقصود هنا السياق اللبناني): "التجربة تشهد عندنا في لبنان بأن السياسي التقليدي كان أقل ضررًا أو أقل تكلفة على البلاد والعباد

من المثقف الثوري". ينظر: المرجع نفسه، ص.141 (7((حرب، أوهام النخبة، ص.16 (7((عزمي بشارة، "عن المثقف والثورة"، تبُّيُن، مج  1، العدد 4 (ربيع 2013)، ص.142 (7((إدوارد سعيد، صور المثقف، ترجمة غسان غصن، مراجعة منى أنيس (بيروت: دار النهار، 1996)، ص.91

ما يجعل العلاقة بين المثقف والسياسي في جوهرها علاقة توتر وصدام، أو علاقة نقدية في أفضل الأحوال. ولهذا، غالبًا ما يلجأ السياسي إلى استراتيجيات متعدّدة لاحتواء المثقف واستمالته إلى

جانبه. غير أن علي حرب، على الرغم من إدراكه لتشابك هذه العلاقة وتعقيداتها وتضارب المصالح الكامن فيها، يوجّه نقده الأساسي إلى المثقف، لا إلى السياسي. بل إنه يذهب إلى تحميل المثقف المسؤولية

الرئيسة عن الأزمات، معتبرًا إياه مصدر البلاء الأول وليس السياسي. وفي ذلك تنعكس إحدى

مفارقات المنظور التفكيكي الذي يتبنّاه؛ إذ يتحوّل النقد من مساءلة السلطة إلى مساءلة من ينتقدها،

ومن مقاومة الهيمنة إلى نقد الذات والمفاهيم. يُضاف إلى ذلك أن حرب، على الرغم من نقده الحادّ للنزعة النخبوية لدى المثقف العربي، فإنّ

الحل الذي يقترحه للخروج من هذه النخبوية يظل في جوهره حًّلا نخبويًا أيضًا. بل يمكن القول إنّ

حرب نفسه يُعدّ نموذجًا جليًا للمثقف الوصائي التأملي، مع أنه قد أعلن رفضه لهذا الدور. فمن يطالع

مؤلفاته يلحظ بسهولة نزوعه التوجيهي والوصائي، حتى في علاقته بالمثقفين، حيث يُقدّم نموذجًا

للمثقف بوصفه مفكرًا معتزلًا في برج عاجي، تقتصر مهمته على "ابتكار إمكانات جديدة للتأمل

والتفكير". وهنا يبرز البعد ما بعد الحداثي في رؤيته؛ فالمثقف عنده ليس فاعلًا سياسيًا أو أخلاقيًا، بل

هو منتج للخطاب، يمارس سلطته من داخل اللغة والمعنى، لا من داخل الواقع المادي. تكمن الإشكالية الجوهرية في أنّ المطلوب من المثقف، في السياق العربي تحديدًا، ليس نقد أدواته الفكرية ومفاهيمه، كما يرى حرب، بل الانخراط الفعّال في الواقع الاجتماعي والسياسي ونقد بنى

السلطة والمؤسسات القائمة. غير أنّه يركّز على أنّ المشكلة تكمن أساسًا في الفكر ذاته لا في الواقع،

وأن مهمة المثقف تنحصر في نقد الفكر ونقد الذات والأفكار والنظريات التي يتبناها. وهنا تبرز معضلة أخرى في طرحه؛ إذ يُغفل بذلك التفاعل الجدلي والحيوي بين الفكر والواقع، فلا يمكن – من

منظور منهجي جاد – فصل أحدهما عن الآخر أو الاكتفاء بالاشتغال في حقل الفكر وحده بمعزل عن شروط الواقع وتعقيداته. قد تُعزى إشكالية تحديد دور المثقف لدى حرب إلى محاولته إسقاط مشكلات ما بعد الحداثة الغربية على الواقع العربي، الذي لم يستكمل دخوله إلى مرحلة الحداثة بعد. ففي المجتمعات الغربية التي قطعت شوطًا طويلًا في بناء مؤسساتها الحداثية، يصبح من المفهوم الحديث عن انحسار دور "المثقف العضوي"، أو "المثقف العام"، نظرًا إلى وجود مؤسسات وسيطة متقدمة مثل الصحافة

الحرة، والبرلمانات المنتخبة، والنقابات الفاعلة، والمجالس المحلية المستقلة، والأحزاب السياسية الحرة، التي تمكّن المجتمع من التعبير عن مصالحه والدفاع عن حقوقه على نحو مباشر. أما في السياق العربي، حيث لم تكتمل بعد عملية الانتقال إلى الحداثة السياسية، فإنّ الحديث عن تجاوز دور المثقف يبدو سابقًا لأوانه وغير منسجم مع الشروط التاريخية والاجتماعية القائمة. فغياب المؤسسات الوسيطة، وضعف الفضاء العام، وهيمنة الدولة على مجالات الفعل الاجتماعي،

تجعل من المثقف العربي فاعلًا محوريًا لا يمكن الاستغناء عنه، بوصفه صوتًا نقديًا مستقلًا يُمارس

ضغطًا رمزيًا على السلطة ويفتح أفقًا للتفكير الديمقراطي وحقوق الإنسان. ومن ثمّ، فإنّ استنساخ

مفاهيم ما بعد الحداثة – التي وُلدت في بيئة مكتملة الحداثة المؤسسية – على واقع عربي لم يُنجز

بعد شروطها، يُفضي إلى قراءة مضِّلِلة للواقع وتفريغ الدور الثقافي من مضمونه التحرّري. فحرب

يتجاهل الدور التاريخي الذي اضطلع به "المثقف العام" في المراحل المبكرة من الحداثة، بل إننا نلحظ استمرار هذا الدور حتى اليوم في بعض السياقات الغربية، كما في فرنسا أو الولايات المتحدة، حينما يظهر المثقف للدفاع عن قيم عامة أو قضايا سياسية كبرى. من هنا، تبدو محاولته تطبيق رؤى ما بعد الحداثة، التي تفترض تجاوز دور المثقف النقدي، غير ملائمة لسياق عربي لم ينجز بعد شروط الحداثة المؤسسية التي تسمح للمجتمع بأن يكون فاعلًا بذاته. وحينما نعود إلى تأمّل الحلول التي يقترحها علي حرب لمعالجة إخفاق مشروع الحداثة، نجد أنه يقدّم

جملة من المفاهيم المركزية في مشروعه النقدي، أبرزها: أولًا، مفهوم "العقلانية التداولية" الذي يُفهم بوصفه نقاشًا عقلانيًا مفتوحًا يشارك فيه الجميع بفاعلية ومسؤولية في إنتاج المعنى. ثانيًا، مفهوم

"الفكر المركّب"، الذي يسعى لتجاوز الانغلاق التخصصي عبر التشبيك بين مختلف التخصصات والحقول المعرفية والثقافات. ثالثًا، مفهوم "المواطن العالمي" المنبثق من فرضية ترابط مصائر البشر في ظل العولمة والتطور التكنولوجي وسهولة التواصل، بما يفضي إلى نشوء إنسان متحرر من قيود الدين والقومية والطائفية والطبقة. أخيرًا، مفهوم "المنطق التحويلي"، الذي ينظر إلى الظواهر

بوصفها بنى علائقية قابلة للتأويل والتحويل بعيدًا عن مقاربتها بوصفها بنى ثابتة وهويات جامدة. غير أنّ هذه المفاهيم – على الرغم من طابعها التجديدي وانفتاحها النظري – تبقى، في عمقها، امتدادًا للرؤية ما بعد الحداثية التي تُفكّك البنى من دون أن تقدّم بديلًا فعّلًا، وتُعيد إنتاج الأزمة ذاتها التي تنتقدها، لأنها تُهمل البعد السياسي الملموس للصراع من أجل الحرية والعدالة، وهو البعد الذي

لا يمكن تجاوزه في سياقٍعربٍّيٍ لا يزال يعيش في قلب معركة الحداثة ذاتها، لا في مرحلة ما بعدها. لذلك، فإن توظيف هذه المفاهيم يثير جملة من الإشكالات حينما ننظر إليها في السياق العربي. فمفهوم "العقلانية التداولية"، مثلًا، قد تكون له جدواه في سياق ثقافة ما بعد حداثية في بلدان ديمقراطية تتيح مج لًا حقيقيًا للنقاش الحر والمسؤول وتقبل الاحتكام إلى العقل والحقوق في المجال العام. أما في

(8((حرب،  266 الإنسان الأدنى، ص؛ علي حرب، تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2008)، ص 46؛ يعد هابرماس من أكثر من نظّر لهذا المفهوم الذي يعبّر عنه بعدة مصطلحات

منها: "العقل التداولي" أو "إتيقيا المناقشة" أو "نظرية الفعل التواصلي". ((8(المرجع نفسه، ص 266. يعد موران من أكثر من نظّر لهذا المفهوم، ويستخدم له عدة صيغ منها "فكر التعقيد". ينظر: إدغار

موران، الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ((8(المرجع نفسه، ص 260؛ حرب، تواطؤ الأضداد، ص  28؛ يسميه موران "الهوية الأرضية" أو "الوعي الأرضي" أو "الهوية البشرية." (8((علي حرب، الماهية والعلاقة: نحو منطق تحويلي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1998)، ص.265

البلدان غير الديمقراطية، حيث تغيب الشروط الواقعية والسياسية لمثل هذا النقاش، فإن السلطات غالبًا لن تستمع إلا إلى أصواتها، ولن تسمح بتأسيس فضاء تداولي فعّال؛ وهو أمر يدركه حرب أكثر

من غيره بحكم معرفته بالواقع العربي. أما مفهوم "المواطن العالمي"، فيظل مفهومًا إشكاليًا حين يُستعار لتحليل الواقع العربي. فالمجتمعات

العربية لم تشهد بعدُ تكوّن نموذج المواطن الفرد المستقلّ بالمعنى الحداثي، فضلًا عن تحقق نموذج

"المواطن الكوني" المنفتح على العالم الذي ظهر في السياقات الغربية المتقدمة، بل إنّ فكرة المواطنة ذاتها لا تزال هشّة وغير مترسخة في البنى السياسية والاجتماعية العربية؛ إذ تعاني هيمنةَ الولاءات الأولية (الدينية، والطائفية، والعشائرية، والقبلية)، وضعفَ مؤسسات الدولة المدنية التي ترعى حقوق الأفراد وتصوغ علاقتهم بالمجتمع والسلطة. ومن ثمّ، فإنّ توظيف مفهوم "المواطن العالمي"

لتحليل الأزمات العربية يُفضي إلى تغريبٍ للمفاهيم وتشويشٍ في القراءة، لأنه يفترض وجود شروط

اجتماعية وسياسية لم تتحقق بعدُ. أما "المنطق التحويلي"، فهو في أصله نتاج التحولات التي عرفتها التأويلية الجديدة على يد هانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (2002–1900)، ومن قبله فيلهلم دلتاي Wilhelm Dilthey (1911–1833)، حيث يعاد الاعتبار للمعنى الإنساني بوصفه نتاجًا تاريخيًا متحولًا دائمًا. غير أنّ حرب

لا يوضح الكيفية التي يتبنى فيها هذا المنهج التأويلي الذي يمنح الإنسانَ الأولوية بوصفه صانعًا للمعنى، في مقابل المناهج الوضعية التجريبية التي تمنح الطبيعةَ والأنظمة التقنية الأولويةَ؛ خصوصًا

أنه يعتبر، في سياق آخر، أنّ ما بعد الحداثة الغربية تهيمن عليها النزعة العلموية التي تُعلي من شأن التكنولوجيا والطبيعة على حساب الإنسان. ينطبق هذا التناقض، أيضًا، على مفاهيم أخرى يعتمد عليها حرب مثل "الهامش"، و"نقد الحقيقة"، و"الاعتراف"، و"التأويل"؛ إذ تُعَدّ جميعها في أصلها مفاهيم تعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه فاعلًا مركزيًا في إنتاج المعنى وفهم الواقع، في حين يؤكد حرب، في الوقت ذاته، رؤيته التشاؤمية للإنسان

الحديث بوصفه مصدرًا رئيسًا للمشكلات والأزمات. وهكذا، يظل مشروعه النقدي أسيرًا لتناقضات

داخلية بين رؤيته التشاؤمية المتعلقة بالإنسان والدعوة إلى استخدام مفاهيم فلسفية إنسانية الأصل والغاية. نختم تناولنا لتوظيف حرب لفكر ما بعد الحداثة بملاحظتين أساسيتين:

1. فكر تعميمي يتجاهل التمايزات العلمية والفلسفية

يستخدم حرب، في معظم كتاباته، ضمير الجمع "نحن"، الدال على الفاعلين، استخدامًا ملتبسًا

وشعبويًا؛ إذ نلاحظ نزوعًا واضحًا إلى جلد الذات الجماعية عبر دمج جميع المشكلات في إطار

"نحن" الكلي، بحيث يغدو "الكل" مسؤولًا على نحو مطلق عن الأزمات، من دون تمييز بين المواطن والسلطة، أو بين الحاكم والمحكوم، أو النظام الديمقراطي والنظام التسلطي.

يفضي هذا التعميم إلى تسطيح التحليل الفلسفي، بحيث تتحول المجتمعات أو "العرب" أو حتى "العالم" إلى كتلة صمّاء فاشلة، وهو ما يُعدّ إشك لًا؛ إذ يقوم التفكير الفلسفي، في جوهره، على التمييز

بين عناصر الظاهرة المدروسة وتحليل العلاقات المتشابكة بينها لفهم آلياتها العميقة. أما استخدام ضمير "نحن" على إطلاقه، فيؤدي إلى طمس الأسباب الحقيقية للمشكلات، فضلًا عن كونه يعكس نزعة خطابية شعبوية تُميّع المفاهيم، فتُنتج قراءة لا تعبر بدقة عن الواقع الفعلي. ويبدو أن مثل هذا

التجاهل، أو عدم الثقة بالمواطن العربي هو ما دفعه إلى وضع عناوين غريبة لفصول في مؤلفاته من قبيل: "في كل منّا شيء من القذافي"، و"مقدساتنا هي مصنع أزماتنا "، و"نحن ضحايا أفكارنا"، و"العجز العربي "، و"الإنسان هو المشكلة "، و"عقولنا منبع إرهابنا "، و"جذور الإرهاب والجينات الثقافية"، و"بربريتنا ".

2. تضخيم "عقلية الطوارئ"

تذكّرنا كتابات حرب بما يمكن تسميته "عقلية الطوارئ"، أو "الحالة الاستثنائية"، أو "قوانين الطوارئ" السيئة الصيت، التي تتبناها معظم الأنظمة التسلطية؛ إذ يُصَوَّر الواقع كأننا دائمًا على شفا حروب

وكوارث وأخطار داهمة. وهي ذهنية تُثير مخاوف الناس، فتمنعهم من التفكير الهادئ والتحليل الرصين، وتدفعهم إلى تقديم تنازلات في سبيل تحقيق الأمان. وهذه في جوهرها استراتيجية معروفة تلجأ إليها النظم التسلطية لترسيخ هيمنتها، حتى إن علي حرب يطلق على هذه الوضعية مصطلح "حالة طوارئ كونية". يفرغ هذا التصوير، في بعده الفلسفي، النقد من إمكاناته التحررية ويحوّله إلى خطاب تشاؤمي مغلق

يكرّس العجز بدلًا من تجاوزه. فالنزعة النقدية العدمية المفرطة كثيرًا ما تُضعف قدرة الإنسان على

إنتاج معرفة أو اتخاذ مواقف أخلاقية ومعرفية قائمة على الحُجّة والبرهان، مثلما تؤدي إلى نسبية

((8(يركز عزمي بشارة، مثلًا، على هذه التمايزات كثيرًا، ويعدّها أحد أهم مفاتيح التفلسف. ومن أهمها التمايزات بين مفهومي

المواطن والرعية، والدولة والسلطة السياسية، والأنظمة التسلطية والأنظمة الديمقراطية، والمثقف الملتزم ومثقف السلطة... إلخ. ومن دون مثل هذه التمايزات لا يمكن القول إن ما يقوله حرب يراعي متطلبات الدقة العلمية في العلوم الاجتماعية والسياسية المعاصرة. بشأن أهمية مفهوم التمايز عند بشارة، ينظر: رشيد الحاج صالح، "مراجعة كتاب: مسألة الدولة: أطروحات في الفلسفة

والسياقات لعزمي بشارة"، تبُّيُن، مج  12، العدد 47 (شتاء.)2024 (8((علي حرب، ثورات القوة الناعمة في العالم العربي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، ص.83 (8((حرب، تواطؤ الأضداد، ص.80 ((8(المرجع نفسه، ص.121 ((8(المرجع نفسه، ص.178 (8((حرب، الإنسان الأدنى، ص.7 ((9(المرجع نفسه، ص.60 ((9(المرجع نفسه، ص.77 ((9(المرجع نفسه، ص.181 ((9(المرجع نفسه، ص.15

مفرطة تجعل مفاهيم من قبيل الحقيقة والعدالة والحرية بلا مضمون. ومن ثمّ، فهي غير قادرة على

تأسيس أي نظرية سياسية أو أخلاقية ذات مضمون اجتماعي وسياسي واضح؛ لأنها تقوّض الشروط

المعرفية التي تجعل مثل هذا التأسيس ممكنًا أصلًا، أو بعبارة ديل جاميسون "نقد ما بعد الحداثة للذات يشكك في تكوين الذات".

خاتمة

تستنتج هذه الدراسة أنّ ما يجمع بين التيار المحافظ/ المنغلق والتيار المنفتح/ التغريبي – على الرغم من التباين الجوهري بينهما بين الرافض جذريًا لفكر ما بعد الحداثة والمتحمّس له – هو تهرّبهما من

استحقاقات الحداثة السياسية في السياق العربي. فالتيار المحافظ، عمل على تفريغ هذه الاستحقاقات من مضمونها، داعيًا إلى العودة إلى أنماط ما قبل

حداثية، مدفوعًا بقناعة راسخة مفادها أن ما بعد الحداثة ستقود الغرب (وتقودنا) حتمًا إلى الهاوية، في

حين سعى التيار التغريبي لمقاربة ما بعد الحداثة عبر تجاهل مكتسبات الحداثة السياسية أولًا، وتجاهل الشروط التاريخية والمؤسسية للحداثة السياسية، وهو ينصرف إلى قضايا نخبوية، في مجملها، أو قضايا تخص سياق الحداثة الغربية وتعقيداتها الداخلية؛ مثل تجاوز الميتافيزيقا، وفلسفة الاختلاف، وفلسفة الجسد، وسلطة المعرفة، وعلاقة الأنا بالآخر، والعقل التداولي، ونهاية دور المثقف ونهاية التصور التقدمي للتاريخ... إلخ. فهو يمنح هذه القضايا أولوية على حساب استحقاقات الحداثة السياسية، إلى حٍّدٍ يمكن القول في سياقه إنّ هذا التيار جعل من تبني نقد ما بعد الحداثة شرطًا مسبقًا للوصول إلى الحداثة، بدعوى أنّ هذا النقد يجنّب المجتمعات العربية الطريق المسدودة التي انتهت إليها الحداثة الغربية. يتبنى التيار المحافظ رؤية تبسيطية ومؤامراتية تختزل الغرب في صورة إمبريالية عالمية مسؤولة عن كل الشرور؛ لتبرير رفض النموذج الحداثي الغربي جملةً وتفصيلًا. في حين ينزع التيار التغريبي إلى عدم التعرّض للسلطة المحلية وردّ الأزمات إلى الإمبريالية العالمية أو التراث والثقافة العربية

الإسلامية المحافظة، متجاهلًا تحليل الأنظمة التسلطية سياسيًا ضمن مقاربته النظرية. ولهذا نجده

حاضرًا بقوة في دول مثل مصر والجزائر وتونس والمغرب وسورية، حيث تجد أطروحاته صدى لدى

السلطات السياسية. في المحصلة، يقصي التياران الفاعل البشري من معادلة التغيير، وكأن كل شيء محَّدَد سلفًا. تقود هذه المقاربة التيار المحافظ إلى تبني موقف يائس ومتطرف ضد الغرب، مقرونًا بتبرئة الذات – سواء أكانت الذات نظامًا سياسيًا، أم دينًا، أم قوميةً، أم هويةً – من أي مسؤولية عن المشكلات القائمة،

في حين تدفع التيار التغريبي إلى الثقة شبه المطلقة بالغرب ما بعد الحداثي، بوصفه ذروة ما أنجزته

(94) Dale Jamieson, "The Poverty of Postmodernist Theory," University of Colorado Law Review , vol. 62, no. 3 (Summer 1991), p. 592.

الإنسانية في تأملها للعالم، فيشنّ نقده على الثقافة والفكر والمجتمع العربي بوصفه أصل الداء، ويرى أنّ تبنّي فكر ما بعد الحداثة هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات. وقد انتشر خطاب التيار المحافظ بقوة في العقود الأخيرة في العالم العربي؛ إذ تبنى كثير من المثقفين فكر ما بعد الحداثة لمهاجمة الحداثة السياسية والدعوة إلى نموذج حكم ما قبل حداثي، مُستفيدين

من كونه خطابًا لا تصطدم به الرقابة السياسية، بل غالبًا ما يُشَجَّع رسميًا لأنه يُحمّل عوامل خارج

إرادة السلطات مسؤولية الإخفاقات؛ مثل تخلّي المجتمعات عن النموذج الإسلامي، أو "انبهارها" بالديمقراطية الغربية "الفاشلة". وقد شارك في هذا التوجه كثير من مفكري الإسلام السياسي وبعض رؤساء الدول العربية، ممن يربطون على نحو صريح، في خطاباتهم، بين الديمقراطية والانفلات الأخلاقي أو بين الحروب والغرب. أما التيار التغريبي، فبرز عبر مراكز دراسات ونوادٍ ثقافية وجمعيات علمية واجتماعية، مركّزًا اهتمامه على نسبية القيم والحقيقة، وحرية الجسد، وقضايا ما بعد البنيوية، وتأويل التراث، معتمدًا في ذلك على مقاربات تفكيكية. ثمة مسألة أخيرة تجمع بين التيارين متمثلة في استسهالهما النقد وعدم تطوره إلى بدائل عملية تحدد مضمون التغير الاجتماعي والسياسي الذي يسعيان له. وهي تهمة لاحقت مفكري ما بعد الحداثة في الغرب أيضًا، إذ اتهمتهم باربارا إبسن بأنهم قد يمارسون النقد من أجل النقد فقط لأنه ليس هناك أسهل من مجرد النقد.

References

المراجع

العربية

إيجلتون، تيري. أوهام ما بعد الحداثة. ترجمة منى سلام. مراجعة سمير سرحان. القاهرة: أكاديمية الفنون،.2000

((9(يُعَدّ مركزَا "مؤمنون بلا حدود" و"تكوين"، إلى جانب عدد كبير من المراكز ذات التوجّه ما بعد الحداثي، أمثلةً بارزة دالّة على

هذا الاتجاه. ويمثّل الأول مث لًا على التيار المحافظ الذي ينشغل، إلى حدّ بعيد، بقضايا الإصلاح الديني وتجديد التراث، ودراسة

تاريخ التصوّف وعقائده، وبحوث الفقه والتفسير، فضلًا عن توظيف المناهج المعاصرة في التأويل، باعتبار أنّ هذه الجهود هي

السبيل لنهضة العرب والمسلمين واستعادة موقعهم في قلب التاريخ وإحياء أمجادهم. فهو ينطلق من أن المشكلة في التاريخ والفقه والتراث. أمّا مركز تكوين، فيُعدّ مث لًا على التيار ما بعد الحداثي التغريبي. ويركّز على قضايا التنوير والحداثة وما بعدها، وينتقد

بشكلٍ رئيس دور التدين في المجتمعات العربية، متخذًا من التيارات الدينية خصمًا مباشرًا له. غير أنّه يطرح قضاياه في أحيان كثيرة

بأسلوب يُغفل الخلفيات السياسية للقضايا التي يطرحها؛ فمثلًا: يركّز على حرية المرأة من دون التعمّق في علاقة ذلك بغياب

الديمقراطية السياسية، أو يضخم من نقد التراث بوصفه مفتاح التغيير في العالم العربي، متجاهلًا في الوقت ذاته دور الأنظمة

السياسية في توظيف التراث. ويركّز على حرية التفكير والتعبير من دون التطرّق إلى القيود السياسية وقوانين الطوارئ والخطوط

الحمراء التي تفرضها أجهزة الأمن، أو يُعلي من شأن دور المثقف التحرري من دون الالتفات إلى القيود الإدارية والسياسية

المفروضة عليه من الحكومات. اللافت للانتباه في النموذجين – على الرغم من اختلاف توجهاتهما – هو الغياب شبه التام لمفاهيم أساسية ترتبط بالواقع السياسي العربي المعاصر، مثل: الانتقال السياسي نحو الديمقراطية، والمشاركة السياسية، وقوانين الطوارئ، والفساد السياسي؛ وهي مفاهيم تُعَدّ في نظر كثيرين شرطًا أساسيًا لأي مقاربة جادة للواقع والفكر العربَّيَين.

(96) Epstein, p. 11.

باتلر، كريستوفر. ما بعد الحداثة. ترجمة نيفين عبد الرؤوف. مراجعة هبة عبد المولى أحمد. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2016 بشارة، عزمي. "عن المثقف والثورة ". تبُّيُن. مج  1 العدد 4.)2013(بورديو، بيير. مسائل في علم لااجتماع. ترجمة هناء صبحي. أبوظبي: كلمة،.2012 تايلر، تشارلز. منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2016 الحداثة وما بعد الحداثة. طرابلس، ليبيا: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية،.1998 حرب، علي. أزمنة الحداثة الفائقة: الإصلاح – الإرهاب – الشراكة. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005 __________. الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة. ط  2. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2010 ________. الفكر والحدث: حوارات ومحاور. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.1997 ________. الماهية والعلاقة: نحو منطق تحويلي. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1998 ________. تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2008 ________. ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 سعيد، إدوارد. صور المثقف. ترجمة غسان غصن. مراجعة منى أنيس. بيروت: دار النهار،.1996 لارمور، تشارلز. أخلاق الحداثة. ترجمة مايكل مدحت يوسف. القاهرة: المركز القومي للترجمة،

ليوتار، جان فرانسوا. الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة. تصدير فردريك جيمسون. ترجمة أحمد حسان. القاهرة: دار الشرقيات للنشر والتوزيع،.1994 المسيري، عبد الوهاب. رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،.2000 _________. العالم من منظور غربي. القاهرة: دار الهلال،.2001 _________. انهيار إسرائيل من الداخل. القاهرة: دار المعارف،.2001

_________. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. القاهرة: دار الشروق،.2002 _________. اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود. القاهرة: دار الشروق،.2002 _________. الثقافة والمنهج. سوزان حرافي (محررة). دمشق: دار الفكر،.2009 _________. حوارات: الهوية والحركات الإسلامية. سوزان حرفي (محررة). دمشق: دار الفكر،

_________. رحابة الإنسانية والإيمان: دراسات في أعمال مفكرين علمانيين وإسلاميين من الشرق والغرب. القاهرة: دار الشروق،.2012 موران، إدغار. الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2004 هارفي، ديفيد. حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي. ترجمة محمد شيّا. مراجعة ناجي

نصر وحيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة؛ المعهد العربي العالي للترجمة،.2005

الأجنبية

Bauman, Zygmunt. Intimations of Postmodernity. London/ New York: Routledge,

Epstein, Barbara. "Postmodernism and the Left." New Politics. vol. 6, no. 2 (1997). Jamieson, Dale. "The Poverty of Postmodernist Theory." University of Colorado Law Review. vol. 62, no. 3 (Summer 1991). Rorty, Richard. Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge: Cambridge University Press, 1993. Toplu, Şebnem & Hubert Zapf (eds.). Redefining Modernism and Postmodernism. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. World Values Survey Association. World Values Survey Wave 7 (2017–2022): Results in Percent by Country. at: https://acr.ps/1L9F2gt