علاقة العقل بغيره من المدارك المعرفية عند طه عبد الرحمن: اتصال العقل بالحس نموذجًا
Taha Abdurrahman’s Account of the Connection between Reason and Sense Perception
الملخّص
تبحث الدراسة في موقف طه عبد الرحمن من علاقة العقل بالحس، ضمن نظريته العامة في العقل، وتفحص مدى اتّساق هذا الموقف مع التراث الإسلامي الكلامي والفلسفي، وتنطلق من بيان أن عبد الرحمن يوسّع مفهوم العقل، فيجعله فعلًا قلبيًا متّصلًا بالحس والدين والأخلاق، ثم تقارن ذلك بالمذهب العقلي الإسلامي الذي يميّز بين العقل والحس، مع إقراره بتوقّف كل منهما على الآخر في بعض الوظائف المعرفية. وتخلص إلى أن نقد عبد الرحمن للتراث شابهُ تعميم واضطراب في تحديد معنى الاتصال والانفصال، ونسبة مواقف جزئية إلى عموم المفكرين المسلمين، وترى أن تصوّره للعقل يقترب من بعض مبادئ المعرفة الحديثة، أكثر من تمثيله المقررات الكلامية والفلسفية الإسلامية.
Abstract
Abstract: The article examines Taha Abdurrahman’s account of the relationship between reason and sense perception within his broader theory of reason, and assesses its consistency with Islamic theological and philosophical heritage. It argues that Abdurrahman expands the concept of reason, portraying it as a spiritual and heartfelt act intrinsically connected to sense perception, religion, and ethics. The article compares this view with the Islamic rational tradition, which distinguishes between reason and sense perception while acknowledging the interdependence of both in certain cognitive functions. The study concludes that Abdurrahman’s critique of heritage is marked by overgeneralization and conceptual ambiguity regarding connection and separation, as well as for attributing selective positions to Muslim intellectuals as whole. It further argues that his conception of reason aligns more closely with certain modern epistemological principles than with established Islamic theological and philosophical doctrine.
- العقل
- الحس
- الفكر العربي المعاصر
- طه عبد الرحمن
- الاتصال والانفصال
- Reason
- Sense Perception
- Connection and Sepration
- Arabic Thought
- Taha Abderrahmane
نظريته العامة في العقل، وتفحص مدى اتّساق هذا الموقف مع التراث الإسلامي الكلامي
والفلسفي، وتنطلق من بيان أن عبد الرحمن يوسّع مفهوم العقل، فيجعله فعلًا قلبيًا متّصلًا
بالحس والدين والأخلاق، ثم تقارن ذلك بالمذهب العقلي الإسلامي الذي يميّز بين العقل
والحس، مع إقراره بتوقّف كل منهما على الآخر في بعض الوظائف المعرفية. وتخلص إلى أن
نقد عبد الرحمن للتراث شابهُ تعميم واضطراب في تحديد معنى الاتصال والانفصال، ونسبة
مواقف جزئية إلى عموم المفكرين المسلمين، وترى أن تصوّره للعقل يقترب من بعض مبادئ
المعرفة الحديثة، أكثر من تمثيله المقررات الكلامية والفلسفية الإسلامية.
مقدمة
تهدف هذه الدراسة، في المقصد الأول، إلى أمرين: الأول، تجلية موقف طه عبد الرحمن من التراث الإسلامي في قضية اتصال العقل وانفصاله ومنهجه في التعامل معه؛ والثاني، فحص أدلّته واستنتاجاته وبيان مدى تماسكها داخليًا، مع منطلقات ومقوّمات نظرية العقل عنده، وخارجيًا
بحسب منطق الأشياء في حد ذاتها ومنظور الفكر الإسلامي إليها. أما عن سبب اختيار هذا الموضوع تحديدًا، فيتجلّى في أمرين: أولهما: عُرف عبد الرحمن، كما يُقدّم نفسه فيلسوفًا مسلمًا يمتح من نصوص الوحي ويستثمر
مقدّرات اللسان العربي وينافح عن أصوله وتراثه، خصمًا صلبًا أمام الفكر الحداثي الغربي، وما يدعو
إليه من قطيعة للدين والأخلاق والتراث الشخصي لمختلف الأمم والحضارات. ومن ثم، جاءت هذه الدراسة تُجلي مدى وفائه لهذا التراث، وتتلمّس منهجيته في التعامل معه، وتوضّح مدى تحقّقه
بمسلّماته، ومدى مباينته أصول الفكر الغربي الحديث في موضوع حساس محوري، يتعلّق بماهية العقل وخصائصه. ويُعدّ البحث في ماهية العقل وخصائصه إشك لًا مركزيًا في نظرية المعرفة، في
حين تُعدّ الأخيرة إشك لًا أساسيًا في الفلسفة؛ لذلك فإنّ الموقف من العقل ينعكس بالضرورة على
سائر القضايا المعرفية والفلسفية. ثانيهما: جاء اختيار موضوع اتصال العقل بغيره دون سائر أركان نظرية العقل، لاعتبارات عدة، لأنها أولًا من أكثر المواضيع التي تتجلّى فيها خصوصية عبد الرحمن في نظرية المعرفة، ولعلها أكثرها، إلى جانب تقسيمه الثلاثي للعقل إلى مجرد ومُسدّد ومؤيّد. ثانيًا، لأنها من أكثر مواضيعه انتشارًا، وأوسعها امتدادًا
لتعالقه بأطراف شتى: الحس والدين والأخلاق، وهذا ما يجعله موضوعًا خصبًا لاستخراج التقاطعات
وتلمّس المعارضات والمناقضات والمخالفات والموافقات. وحيث إن تقسيم العقل أخذ عنايةً لا بأس
بها من الباحثين حتى أمسى من أشهر فقرات نظرية العقل عند عبد الرحمن، وأكثرها تداولًا، فإن اتصال العقل بغيره لا يزال مهملًا، ولم يُوفَ بعدُ ما يلزمه من تحرير ونقد وأخذ وردّ. ثالثًا، نظرًا إلى أن أكثر
هذه المدارك اتص لًا بالعقل هو الحس، وأن أولى محطات تمايز العقل من غيره هي تمايزه من الحس، فقد اُّتُخذ مدرك الحس نموذجًا لهذا الاتصال؛ إذ يعدّ أول موضوع يوضّح حقيقة موقف أيّ فيلسوف من
العقل ومنزلته عنده وطبيعته في نظريته. وبقدر ما يكون قوله في هذه القضية محكمًا، يمكن تقدير مدى
متانة تصوره للعقل. وبناء عليه، تأخذ قضية اتصال العقل بالحس أهمية مركزية كبيرة، ولا تنحصر في أنها مجرد جزئية دقيقة محددة، ومن ثم قُدّمت في هذه الدراسة على قضية اتصال العقل بالدين، وإن كانت الأخيرة أكثر إثراءً عند عبد الرحمن، وأكثر استمالة للقراء والباحثين. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث: يناقش الأول منطلقات قضية اتصال العقل بغيره وموقعها بين معاقد نظرية العقل عند عبد الرحمن، ويلخّص الثاني الموقف السائد في الفكر والتراث الإسلاميَين عن
علاقة العقل والحس، ويعرض الثالث وقفات نقدية في حجج عبد الرحمن وانتقاده المذهب السائد في الإسلام.
أخيرًا، يبقى الهدف الأكبر من هذه الدراسة إعادة تقديم صورة التراث الإسلامي في مثل هذه المواضيع
والاجتهاد في إنصافه، ورصد شكل حضوره في الفكر الإسلامي الحديث من خلال قامة فكرية تعدّ من أبرز قاماته الفلسفية، وتبيّن مدى اقتباسها منه، وحُسن تمثّلها له، وجودة نقدها إياه.
أولا: في شرح اتصال العقل وسياقه ضمن أركان نظرية العقل عند طه عبد الرحمن
يُصرّ عبد الرحمن على نفي الطروحات الفلسفية كلها المعروفة عن حقيقة العقل، سواء النظريات
المتقرّرة قديمًا في فلسفة العقل التي خالفها عنوانًا ومضمونًا، أم نظريات المذهب الحسي التي
خالفها عنوانًا، وإن وافقها، أخيرًا، في كثير من مضامينها، ومن ثم، عمد إلى تأسيس قول جديد
في حقيقة العقل وخصائصه، رأى أنه، وإن كان مستحدثًا في السياق الفلسفي، الأقرب إلى روح القرآن وتصرّفاته، والأكثر تناسقًا مع أوضاع العربية واستعمالاتها، أو بعبارة جامعة، الأكثر انسجامًا
مع الممارسة الإسلامية. فما منطلقات هذا التصوّر؟ وكيف انتهى إلى ربط حبائل الاتصال بين
العقل وغيره؟ يؤسّس عبد الرحمن تصوّره للعقل عامة، بما فيه قضية اتصاله بغيره، على منطلقين أساسين:
1. العقل فعل من الأفعال
يرى عبد الرحمن أن العقل: "فعل إدراكي يأتيه الإنسان كما يأتي فعل البصر وفعل السمع وغيرهما"، وأنه "لا يعدو أن يكون فعلًا من الأفعال، أو سلوكًا من السلوكات التي يطّلع بها الإنسان على الأشياء في نفسه، أو في أفقه، مثله في ذلك مثل البصر بالنسبة للمبصرات، فالبصر ليس جوهرًا مستقلًا بنفسه،
وإنما هو فعل معلول للعين، فكذلك العقل هو فعل معلول لذات حقيقية، وهذه الذات هي التي تمَّيَز
بها الإنسان في نطاق الممارسة الفكرية الإسلامية العربية، ألا وهي 'القلب'، فالعقل للقلب كالبصر للعين". ويجعل عبد الرحمن حقيقة العقل فعلًا، ويُقيّد هذا الفعل بقيدين: أولهما أنه فعل إدراكي
يطّلع به الإنسان على الأشياء، وثانيهما أنه ناشئ عن القلب، ومعلول له، وصادر عنه. ومن ثم، يكون العقل، في تصوره، فعلًا إدراكيًا قلبيًا. ويفصل أنواع هذا الفعل الإدراكي في ثلاثة، فيقول في كتابه العمل الديني: "وقد اتخذ العقل بمعنى فعل القلب عندهم – يعني أعلام الممارسة الإسلامية – صورًا مختلفة، وهي: صورة الربط، بمعنى
أن العقل هو إدراك القلب للعلاقة بين المعلومين. وصورة الكف، بمعنى أن العقل يمنع صاحبه من
(((طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، ط 2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص 18، شوهد
في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2t0g
(((طه عبد الرحمن، سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 62، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2scN (((عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، ص.18
الوقوع فيما يضرّ به من النزعات والشهوات والأهواء. وصورة الضبط، بمعنى أن العقل هو إمساك
القلب لما يصل إليه حتى لا يتفلّت منه".
2. توسيع معنى العقل
إذا كان المنطلق الأول يُعبّر عن ماهية العقل وكينونته عند عبد الرحمن، فإن هذا المنطلق يُعبّر عن
أولى خصائصه الذاتية. وقد وسع مفهوم العقل من خلال ثلاثة جوانب:
أ. أصناف أفعال العقل المتقدمة
عرّف عبد الرحمن العقل بثلاثة أفعال تُخرج مفهومه من حدوده الفلسفية القديمة، كما اشتهرت في
عناصر العقل النظري وخصائصه. ويُرجع كل فعل منها، وفقًا لتصنيف الفلسفة العقلية القديمة، إلى
ملكة مستقلة من ملكات الإدراك؛ ففعل الكف يرجع إلى ملكة العقل العملي، وفعل الضبط إلى الحافظة من ملكات الحس الداخلي، وفعل الربط إلى العقل النظري. وقد يستقل به منفردًا عن سائر المدارك الأخرى إذا كان الحكم ينتمي إلى مجال الضرورة أو التجريد، وقد يستعين بمصادر المعرفة الأخرى، كالحس والوحي إذا لم يكن من نطاقاته.
ب. التكوثر العقلي وإنكار ثبات العقل
هذا الجانب متفرع عن سابقه، لأن أسسه تقوم عليه، لكنه يضيف بُعدًا آخر إلى هذا التوسيع؛ فهو ينكر
أيّ عنصر من عناصر الثبات في العقل، ويرى أن الفعل العقلي مرن أمام التشّكلّات كلها، ومفتوح
النطاق أمام شتى الاحتمالات. وإذا كان الجانب السابق يوسّع معنى العقل ليشمل أدوات الإدراك
وأفعاله كلها، فإنه يوسّعه هنا ليشمل أساليب التفكير ومناهج البحث جميعها، بما فيها أكثرها إيغ لًا
في الحسية، فيقول في كتابه اللسان والميزان: "التكوثر فعل عقلي، فلا يتكوثر إّلا العقل، والمقصود بذلك أن العقل لا يقيم على حال، وإنما يتجدّد على الدوام، ويتقلّب بلا انقطاع، فعلى خلاف ما ساد ويسود به الاعتقاد الموروث عن اليونان، ليس جوهرًا مستقلًا قائمًا بنفس الإنسان، وإنما هو أصلًا
فاعلية، وحق الفاعلية أن تتغيّر على الدوام". يظهر من هذا النص إصرار عبد الرحمن على التغيّر المفتوح على الاحتمالات كلها؛ ف "العقل لا يقيم
على حال"، "لأنه فعل"، وحق الفاعلية أن تتغيّر على الدوام. وهنا يستند إلى مقدمتين في إثبات التكوثر
العقلي، وقد بنى على هذا التكوثر نتائج عدة، من أبرزها نسبية التعقل، وفقد الحسم النهائي فيه، وتعدّد الحق في الفلسفة، وإمكان بناء أنساق فلسفية مختلفة. وقد كان هذا التكوثر من أهم الدعائم
(((المرجع نفسه، ص.19–18 (((عبد الله البقالي، "النزعة العقلية في المنطق والكلام والفلسفة"، أطروحة أُعدت لنيل درجة الدكتوراه، كلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان، /2023 2024، ص.132–95 (((طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1998)، ص 21، شوهد
في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sto
التي أقام عليها تصوّره للمجال التداولي. وبالعودة إلى بعض نصوصه التي تختزل لنا عامة ما تقدّم،
نجده يقول في تعدد العقل وتفاوته بحسب العوامل المشكّلة له، وتطوّره مع الزمان: "الفعل العقلي
أكثر أفعال الإدراك قابلية للتغير والقلب [...] فإن العقل يتقلّب في أطوار تختلف باختلاف المراحل التي يمر منها تاريخ الإنسانية، بحيث ما كان عقليًا في مرحلة تاريخية سابقة، قد يصير لاعقلانيًا في
مرحلة لاحقة، والعكس بالعكس [...] وليس هذا فقط، بل يتقلّب أيضًا وفق أحوال الفرد الواحد، بحيث ما كان عنده معقولًا، في حال، يجوز أن يصير غير معقول، في حال سواه، والعكس بالعكس. ولا يقف الأمر عند حد تقلّب الفعل العقلي في الزمان، بل يجاوز ذلك إلى أن يتقلّب في المكان، فقد يكون الشيء الواحد عقليًا في موضع ثقافي، أو مجال معرفي، أو نسق منطقي معيّن، ويجوز أن يكون
الشيء عقليًا من وجه، وغير عقلي من وجه آخر، حتى كأنه شيئان مختلفان، وهكذا".
ج. اتصال مفهوم العقل وتصادقه مع الحس والدين والوجدان والأخلاق
بنى عبد الرحمن تحريره لمفهوم العقل في كتابه سؤال العملعلى معالجة ثماني آفات كبرى عاناها هذا المفهوم، بحسب رأيه، في التصوّر الفلسفي الإسلامي خصوصًا، وفي شتى المذاهب الفلسفة عمومًا. وإذا
استُثنيت الآفة الأولى وهي آفة ترادف العقل والنطق، والثانية وهي تعريف العقل بالجوهر، فإن باقي الآفات
تدور حول الفصل بين العقل وعنصر آخر مهم في شخصية الإنسان يراه عبد الرحمن شديد الاتصال به، يقوم على ستة أشياء، بحسب ترتيبها في كلامه: اتصال العقل والحس، واتصال العقل والقلب، واتصال العقل والأخلاق، واتصال العقل والشرع، واتصال العقل والوحي، واتصال العقل والإيمان. ويمكن إرجاع هذه الأشياء الستة إلى ثلاثة عناصر هي: اتصال العقل بالحس، واتصاله بالأخلاق أو العمل، واتصاله بالدين وفي ضمن امتداداته الوجدان. وهنا ينبغي التنبيه أن عبد الرحمن لم يُفصّل
في تفسير مفهوم الاتصال وتحديد مستواه الذي ينافح عنه، ومن ثم يمكن فهم كلامه على ثلاثة احتمالات: الأول، أنه يقصد باتصال العقل مع هذه العناصر مجرد تقاطعه مع مجالاتها فحسب، والثاني أن تكون هذه العناصر شروطًا في أداء العقل فعله الإدراكي، كما يكون العقل شرطًا في أدائها لوظائفها. لكن حيث إن هذا القدر معروف ويصعب أن ينكره أحد، فالغالب أنه يعني بعد ذلك أمرًا آخر أهم وأعمّ، لعله أقوى احتمالية في كلامه، وهو الاحتمال الثالث ومفاده أنه يعني
اتصال ماهية العقل بماهيات هذه الثلاثة؛ الحس، الدين، الأخلاق. وبذلك، يتّسع معنى العقل حتى
يشمل الإدراكات الحسية، والمدارك الوجدانية، والتصرّفات الأخلاقية، والمعاني الدينية بجوانبها من
محتويات الوحي، ومتعلقات الإيمان، ومقررات الشريعة. ومن النصوص التي تشهد للاحتمال الأخير تقريره بأنه "في الحس عقل"، و"في العقل حس". وفي التماهي بين العقل والدين، ردّد عبد الرحمن متبنّيًا قول الراغب الشهير: "الشرع عقل من خارج،
(((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.73 (((المرجع نفسه، ص.55 (((المرجع نفسه، ص.67
والعقل شرع من داخل". وقال في حق الوحي: "الوحي من نفس الجنس الإدراكي الذي يندرج فيه العقل". أما التماهي مع الأخلاق، فيكفي التمثيل برأيه في العقد المؤيد؛ إذ جعله أسمى مراتب العقل، وهو تعقّل يمتزج بالتخلّق بالعمل الديني وفتوحه الوجدانية ويقوم عليها. وربما لم يستطع عبد الرحمن تقرير التماهي الكامل كما يجب في بعض هذه العناصر، أو لم يُصرّح بالأمر على
الوضوح المنتظر منه، لكن طبيعة الفاعلية التي جعلها أهم الخصائص الذاتية للعقل، تجعله سهل التماهي مع هذه المكوّنات. وهذا هو الجانب الثالث من جوانب توسيع مفهوم العقل عنده، وهو
تماهيه مع الحس والأخلاق والعقل. هذا هو سياق قضية اتصال العقل بغيره عنده، وهذا مجمل ما يمكن أن يُقال في تفسيرها العام،
فما تصوّر علم الكلام والفلسفة الإسلامية لهذا الموضوع؟ وما المعطيات والمستندات التفصيلية
التي يعرضها عبد الرحمن في تصوّره هذا الاتصال؟ هذا ما سيشرحه المبحثان التاليان.
ثانيًا: العلاقة بين العقل والحس في منظور علم الكلام والفلسفة الإسلامية
قبل الشروع في عرض مستندات عبد الرحمن في هذه المسألة، وبيان الملاحظات النقدية التي يمكن إثارتها بشأنها، يجدر أولًا تلخيص موقف المذهب العقلي المتقرر فيها، لأنه من جهة يمثّل التصور السائد الذي ينتقده عبد الرحمن، ومن جهة أخرى يشكّل الأرضية الفكرية التي تنطلق منها هذه الملاحظات النقدية. تقّرر في علم الكلام والفلسفة المشائية الإسلامية أن العقل والحس جهتان إدراكيتان مختلفتان ومميّزتان؛ فهما ليسا منفصلين بمعنى الانفصال الذي يُقرّره عبد الرحمن، ولا متماهيين في شيء
واحد، ومتطابقين على الحقيقة نفسها، بل يتوقف كل منهما على الآخر في بعض جوانب عمله، وينفرد عن الآخر بمجالات وطبيعة إدراكية خاصة به. ويتوقف عمل العقل على الحس في أمرين أساسيين، لا يستغني عنهما: أولهما تقديم الجزئيات الحسية التي يُبنى عليها التجريد؛ إذ لا يعمل التجريد إّلا بعد الاحتكاك بالحس. وثانيهما استخلاص
التصوّرات التي تُشكّل طرفَي القضية، الموضوع والمحمول، حتى تتحوّل باستعمالها المبادئ العقلية
من مجرد استعداد وقوالب فطرية، إلى قضايا علمية ضرورية. ومصدر هذه التصورات هو الحس؛ فقانون التناقض، مثلًا، أو قانون السببية، كان في البداية مجرد استعداد فطري، أو بتعبيرهم عقلًا هيولانيًا، ثم حين يكتسب الإنسان التصوّرات من الحس، تتحوّل هذه المبادئ إلى علم، وتلك
المعطيات الحسّية إلى معارف.
((1(المرجع نفسه، ص.91 ((1(المرجع نفسه، ص.98 (1((عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، ص.121
وقد اعترف أعلام المذهب العقلي وكبار الفلاسفة القدامى بتوقف العقل على الحس في هذين الأمرين، لا على النحو الذي أوحى به عبد الرحمن حين أورد ذلك في سياق استدلاله على اتصال العقل بالحس، وكأنه إلزام لهم. يقول الشريف الجرجاني (ت. 816 ه): "لقد صرّحوا – يعني
الفلاسفة – بأن الأوليات إنما تحصل للصبيان باستعداد يحصل لعقولهم من الإحساس بالجزئيات، فالقدح في الحسيات يؤول إلى القدح في البدهيات". وبالنسبة إلى توقّف العقل على الحس في تحصيل التجريد، يقول الفخر الرازي (ت. 606 ه): "إن النفس كانت في مبدأ الخليقة خالية عن جميع العلوم، إّلا أنه تعالى خلق السمع والبصر، فإذا أبصر الطفل شيئًا مرة بعد أخرى، ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر، وكذلك إذا سمع شيئًا مرة بعد أخرى، ارتسم في سمعه ماهية ذلك المحسوس، وكذلك القول في سائر الحواس، فيصير حصول الحواس سببًا لحضور ماهية المحسوسات في النفس والعقل". ونصوص الفلاسفة والمتكلمين العقلانيين
وتقريراتهم في نشوء التجريد عن الحواس وافرة ومتعددة، ولا يتّسع المقام لعرضها. وبسبب هذين التوقفين، نصّ عمداء فلاسفة المذهب العقلي، وفي طليعتهم المتكلمون والمشائيون، على أن مدارك العقلية كلها متضَّمَنة في المدارك الحسية أو منتزعة منها أو مبنية عليها، وأن العقل لا يمكن أن يخطو خطوة واحدة إّلا بعد أخذ المعطيات اللازمة من المحسوسات، فهذا أرسطو، شيخ الفلسفة العقلية وأحد مؤسسيها، يؤكد اتصال العقل والفكر بالحياة الحسية، فيقول في كتاب النفس: "وإذا كان هناك فعل يخص النفس فهو التفكير، ولكن إذا كان هذا الفعل نوعًا من التخيّل أو
لا ينفصل عن التخيّل، فإن الفكر لا يمكن أن يوجد بدون البدن". فيربط هنا بين الفكر، وهو عمل
عقلي، والخيال وهو أثر من آثار الحس، ويؤكد تبعًا لذلك العلاقة بين النفس والبدن عامة. في حين يقول يوسف كرم، المعروف بمنافحاته عن الفلسفة المشائية الأرسطية، بكل صراحة، مُعبّرًا عن قوّة
اتصال العقل والحس: "إن العقل لا يكتسب معرفة ما إّلا إذا تلقّى مادّتها من الحس، بحيث تكون الحياة العقلية مرتبطة بالحياة الحسية، بل بالبدنية، مع تمايزها منهما بالطبيعة والفعل". وهكذا يجتمع بينهما اتصال وثيق من جهة، وتمايز واضح، سواء على مستوى الأفعال الإدراكية أو في نطاقها أو طبيعتها، من جهة أخرى. ويقول كرم في موضع آخر: "نُسلّم للحسّيين بأن ما من شيء يوجد في العقل إّلا وقد سبق له وجود في الحس، لكن لا بمعنى أنه مدرك من الحس، بل بمعنى أنه متضمّن
(1((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.68 (1((السيّد الشريف علي بن محمد الجرجاني، شرح المواقف في علم الكلام، تحقيق محمود الدمياطي، ط 2 (بيروت: دار الكتب
العلمية، 2012)، ج 1، ص 134، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sJZ (1((فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الرازي الشافعي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب (بيروت: دار الكتب العلمية، 1990)، ج 20، ص.72 (1((أرسطوطاليس، كتاب النفس، ترجمة أحمد الأهواني، ط 2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015)، ص 6، شوهد في
2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sKj
(1((يوسف كرم، العقل والوجود (الجيزة: مكتبة النافذة، 2015 ص)،.82
في موضوع الحس". وهذا أوضح تعبير عن توقّف العقل على الحس وشدّة اتصاله به، مع تمايزه في عمله. وفي الجهة المقابلة يتوقف الإدراك الحسي على الإدراك العقلي في نقطتين مهمتين: أولاهما استبطان الأحكام الحسية للأوليات العقلية، وثانيتهما أن العقل هو الذي ينفرد بالحكم في القضايا المعرفية كلها، بما فيها القضايا الحسّية، في حين يقتصر دور الحس على تقديم المعطيات والمستندات الحسّية، لكنه
لا يوقع الحكم في القضية، وإن كانت أطرافها كلها محسوسات خالصة، بل العقل هو المنفرد في إيقاع الحكم دائمًا، إّلا أنه قد يحكم أحيانًا من خلال آلياته باستقلال عن المدارك الأخرى كلها، وقد يحكم
أحيانًا أخرى بعد استيعاب المعطيات منها؛ ذلك لأن الحكم يتضمّن مطابقة بين المحمول والموضوع
من خلال المبادئ العقلية المستبطنة في كل قضية. يقول الشريف الجرجاني: "ليس شيء من الأحكام محسوسًا في ذاته، نعم إذا قارن المحسوس حكمًا عقليًا يقال له 'حكم حسّي' لصدوره عن العقل بواسطة
إدراك الحس لذلك المحسوس، فليس الحس حاكمًا، بل العقل حاكم بواسطة الحس؛ إذ مقصودنا بحكم
الحس حكم العقل بواسطته". ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المسألة ليست محل اتفاق بين العقلانيين؛ فإن كان رأي جمهور المتكلمين على النحو المتقدّم تقريره، فإن جمهور المشائيين قرروا أن الحس هو المباشر لإيقاع الحكم. لكن مع هذا الاختلاف، يُطبّق الجميع على ضرورة استبطان الأوليات العقلية
في كل قضية مهما كانت، فلا تقوم قضية ولا تستقيم إّلا بها. وما يقال في الحكم يقال أيضًا في الاستدلال؛ إذ لا يتم إّلا بتدخّل العقل. ويكفي في الدلالة على ذلك أن الاستدلال يشتمل على أمرين: الحكم، وهو عنصر عقلي، كما تقدم؛ ثم الفكر، أي الانتقال والربط العقلي. وبهذا المعنى يصح، من منظور المذهب الكلامي والمشائي في التراث الإسلامي، قول عبد الرحمن: "في الحس عقل" و"في العقل حس"، لكن من دون أن يعني ذلك التماهي التام بين حقيقة الإدراك الحسي وطبيعته، وحقيقة الإدراك العقلي وطبيعته، وهو ما يؤكده الوقوف على الفروق بين نطاقات كل من الإدراكين وطبيعتهما. ويمتاز الإدراك العقلي بإدراك مقوّمات الماهية، إضافة إلى خصائصها، وإثبات الضرورة ونفيها، والحكم
بالوقوع وعدم الوقوع، كما ينفرد باقتداره على تعميم الحكم وإنشاء القضايا الكلّية. أما الحس فينفرد بإدراك الجزئيات المتشخّصة، والحسم في تفاصيل الممكنات المتعلقة بالموجودات المادية الواقعة في نطاقه. وباختصاص كل مدرك بنطاقه وطبيعته الإدراكية الخاصة، يستحيل أن يكون الحس والعقل من سنخ واحد، ويتعيّن، بناء على ذلك، أن يكون العقل مدركًا معرفيًا خاصًا يسمى "العقل النظري". وبهذا
((1(المرجع نفسه، ص.107 ((1(الجرجاني، ج 1، ص.149 (2((ينظر تفصيل هذا الاختلاف في: المرجع نفسه؛ عبد الكريم الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، حرره وصححه ألفريد
جيوم (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2009 ص)، 340، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2t0U (2((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.67 ((2(ينظر في تفصيل هذه الاختصاصات: البقالي، ص.155–95
العرض السريع، يصح ما سلف تقريره: العقل والحس متمايزان، وإن كان يتوقف عمل كل منهما على عمل الآخر. هذا هو تصوّر الفلسفة العقلية للعلاقة بين العقل والحس، ولا سيما المدرسة المشائية
ومدرسة المتكلمين، فما مؤاخذات طه عبد الرحمن عليه؟ هذا ما سيحرّره المبحث التالي.
ثالثًا: الوقفات النقدية في معالجة عبد الرحمن للعلاقة بين العقل والحس
أول ما يلفت الانتباه في معالجة عبد الرحمن لقضية اتصال العقل بالحس أن تصوّره لموضوع
الاتصال جاء مضطربًا من جوانب عدة. فهو يضطرب، أولًا، في تقريره معنى الاتصال بين ثلاثة معانٍ:
الدفاع عن اتصال العقل والحس، بمعنى ارتباط عمل كل منهما بالآخر، والحكم بتماهيهما واتحاد ذاتهما، ونسف تفضيل العقل على الحس وتقرير تكافئهما في العمل والمكانة. ويضطرب، ثانيًا،
بين الاتفاق مع أصل التمايز الذي يقرره المذهب العقلي، مما سبق ذكره، مع إنكاره التام لعناصر العقل النظري، وبين إبطاله والرد عليه. ثم يضطرب، ثالثًا، حين يعمد إلى آراء ولوازم خاصة بمذاهب منحصرة، وينسبها إلى الجميع، ويعمّمها على عامة العقلانيين والمفكرين الإسلاميين. والمشكلة أن
هذه المآخذ، أو وجوه الاضطراب الثلاثة، يلمسها القارئ في المدارك كلها التي أكّد عبد الرحمن اتصال العقل بها. وفيما يأتي تفصيل لأهم هذه المآخذ من خلال عدد من الوقفات.
1. تعميم مآخذ خاصة
إن المشكلة الأساسية التي يعالجها عبد الرحمن في مسألة الفصل بين العقل والحس هي بخس المدارك الحسية حقّها، ورفع المدارك العقلية فوق قدرها. فيقول في ديباجة حديثه عن هذا الإشكال: "لقد تم
الفصل بين العقل والحس حتى أنزلا منزلة الضدّين، فلما تقرر عند المتفلسفة أن العقل جوهرٌ باٍقٍُغير
فانٍ، فقد أنزل رتبة غير الرتبة التي ينزلها الحس، فالأمر المعقول يُعدّ أشرف، والأمر المحسوس يُعدّ
أخس". وقال في تفريع الآفة التي يستتبعها هذا الفصل: "لقد أفضى الفصل بين العقل والحس إلى تقديس العقل بما يقرب من درجة التأليه، حتى إنه يجوز الكلام بهذا الصدد عن نوع من الوثنية العقلانية اصطبغت بها المعرفة البشرية في مجملها". وقد استند عبد الرحمن في الرد على هذا التصور إلى حجتين أساسيتين: الأولى تقرير ازدواج صلة العقل بالحس، فقرر فيها جوانب من مقررات الفلسفة العقلية نفسها في توقف عمل الحس على العقل، وعمل العقل على الحس. والثانية الاتصال السياقي لقوى الإدراك، وقرر فيها أن المدارك الحسية تشكّل قاعدة لعمل العقل. وهذه خلاصة عرض
عبد الرحمن لهذه الإشكالية، فلنأتِ الآن إلى مآخذ التعميم التي يتضمنها كلامه. التعميم الأول: إن المشكلة الأساسية التي يعالجها عبد الرحمن في هذا الصدد هي بخس الحس حقه، وتقدير العقل فوق حقه؛ فالأدق، إذًا، معالجة هذه المشكلة بهذا العنوان، والدخول إليها من
(2((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.65 ((2(المرجع نفسه، ص.66 ((2(المرجع نفسه، ص.69–67
هذا الباب، فتُعالج مشكلة التفاوت من دون التشويش عليها بمسألة الاتصال والانفصال؛ لأن مآخذ الاتصال لا تدعم بالضرورة رفعة الحس، كما أن مآخذ الانفصال لا تدعم بالضرورة خسّته. بل إن
نظرية المثل الأفلاطونية نفسها، التي شرّعت الباب لاحتقار الحس، كما سجّله عبد الرحمن نفسه، إذ
يقول: "قد كان لنظرية المثل التي وضعها أفلاطون أثرها البالغ في ترسيخ هذا التفاوت في الرتبة؛ إذ إنها ترفع المعقولات إلى أعلى رتبة وجودية، جاعلة من المحسوسات مجرد ظلال لها"، هي نفسها اعترفت بضرورة الحس لإثارة النفس لتذكر الكليات التي كانت تعرفها مسبقًا في عالم المثل؛ فحتى أفلاطون يعترف بتوقف إدراك الكليات على إثارة الحس. حتى عبد الرحمن نفسه، الذي يعقد هذا المحور للدفاع عن أهمية الحس، يعترف بتقدّم مدارك العقل على مدارك الحس، فيقرر أن المدارك الحسية قاعدة أدنى لمدارك العقل، ويقول، ضمن تقريره الاتصال السياقي والأفقي لقوى الإدراك: "أما عن الاتصال الأفقي بين القوى الإدراكية عمومًا، فلو رتّبنا هذه القوى على النسق الذي يجعل العقل ينزل الرتبة العليا، تليه الذاكرة، ثم
الخيال، فالحس، فسوف نجد أن القوة الحسّية تأخذ بأسباب مستمدّة من القوى الخيالية؛ إذ أعلى
الحس يشرف على أفق الخيال، كما نجد القوة الخيالية تأخذ بأسباب مستمدّة من قوة الذاكرة؛ إذ أعلى الخيال يشرف على أفق الذاكرة، وأخيرًا نجد أن قوّة الذاكرة تأخذ بأسباب مستمدة من القوة
العقلية؛ إذ أعلى الذاكرة يشرف على أفق العقل". ودعك من قوله في بداية هذا النقل: "فلو رتبنا"، المشعر بأن كلامه هنا من باب الافتراض أو المجاراة فحسب، فهذه مشكلة أخرى تعترض قارئ عبد الرحمن في هذه الأبواب؛ إذ يفرّع على أمور من دون الجزم بها. وعمومًا، يمكن القول
إن عبد الرحمن، لو وجد ترتيبًا أفضل لهذه القوى الإدراكية، لاعتمده، وإن لم يتبَّنَه صراحة، فإنه
لا يرفضه صراحة. وهذا يؤكد أن قضية الاتصال والانفصال لا تتصل جذريًا بمسألة احتقار الحس
أو البخس منه، ومن ثم، فأقل ما يقال في بحث المسألة تحت عنوان الاتصال والانفصال، أنه، إن لم يكن مباعدًا عن محزّ البحث، فإنه أعمّ من المطلوب، وأقل أضرار عدم التدقيق في عنوان
البحث ومدخل الإشكال أنه يؤثّر في توجيه الحجاج، ويشغل بتفاصيل عارضة عن صلب المسألة، وهذا ما وقع فعلًا في نقاط كثيرة. التعميم الثاني: نسبة احتقار الحس وبخس المحسوسات إلى جميع العقلانيين، بل اجتهاده في إلصاق ذلك بالفلاسفة والمفكرين المسلمين. ولئن كان احتقار الحس وبخس المحسوسات ثابتين بالفعل عند بعض العقلانيين الغلاة، وعلى رأسهم أفلاطون، فإنه لا يصحّ بحال جعله موقفًا
((2(المرجع نفسه، ص.65 (2((يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2009)، ص.94 (2((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.69 (2((ينظر نماذج من نصوص أفلاطون في احتقار الحس، في: أفلاطون، محاورة فيدون، ترجمة عزت القرني، ط 3 (القاهرة:
دار قباء، 2001)، ص 126، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sdr؛ أفلاطون، محاورة ثياتيتوس أو عن العلم، ترجمة أميرة حلمي مطر (القاهرة: دار غريب، 2000)، ص 56، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2su2؛ وينظر تلخيص آراء الباحثين في تحرير حقيقة موقف أفلاطون عن هذه النقطة والقراءات المحتملة له في: البقالي، ص.295–294
سائدًا في المذهب العقلي، أو في الفكر الإسلامي، فضلًا عن أن يكون موقفًا عامًا فيهما. بل
الحق أن عامة العقلانيين، ولا سيما في تاريخ الفكر الإسلامي، اتخذوا موقفًا متوازنًا في العلاقة بين العقل والحس، يعترف بفضائل كل منهما وميزاته في مجاله. وخير دليل على ذلك – إضافة إلى ما تقدّم من اعترافهم بتوقّف عمل العقل على الحس – أن عامة العقلانيين الإسلاميين، سواء الفلاسفة أم المتكلمين، تأثّروا بالمشائية، وكانوا أقرب إلى أرسطو منهم إلى أفلاطون، وتشبّعوا
بمذهبه في الموازنة بين الحس والعقل، وإنصاف كل منهما، وكان ذلك من أشهر النقاط الفارقة بين منهج أرسطو والمشائيين، والمنهج الأفلاطوني. يقول مصطفى النشار: "إن نظرية المعرفة الأرسطية تقوم على أساس الموازنة بين أهمية الإدراك الحسي والإدراك العقلي [...] ولذلك، فقد اختلف عن أفلاطون حينما أوضح أن للحواس دورًا هامًا، لا يجب إغفاله في معرفتنا بالعالم
الخارجي، كما اختلف مع أيّ فيلسوف من العقليين الخلّص ممن يهملون دور الحواس، ويقلّلون
من شأنه في المعرفة الحسية، وبنفس القدر اختلف مع الحسيّين الذين يغالون في اتجاههم الحسي
[...] وقد توسّط أرسطو حينما قرر أنه على حين تدرك الحواس كل ما هو جزئي يدرك العقل
الماهيات الكلية". ومن ثم، لا يصح ما استخلصه عبد الرحمن ونسبه إلى عامة الفكر الإسلامي، بقوله: "بلغ تأثير هذه المقابلة اليونانية بين عالم المعقول وعالم المحسوس أن سادت التفرقة بين العقل والحس في مختلف شعب المعرفة الإسلامية، زاد من حدّتها اكتسابها صفة أخلاقية دينية، ذلك أن جمهور المسلمين أصبح يعتقد أنه يتعيّن على المؤمن تحصيل المعقولات، لأن هذا التحصيل هو مطيّته في الآخرة، بل
بات يُسلّم بأن المعقولات تنتمي إلى عالم الأمر الغيبي، كما أضحى يعتقد أنه يتعيّن على المؤمن، في
المقابل، الزهد في المحسوسات، لأنها متاع دنيوي لا يتعدى نفعه الحياة العاجلة، بل بات يُسلّم بأنه لا يجوز الاشتغال بالمحسوسات إلا إذا تقيّدت بمحاكاة المعقولات الأمرية، متطلعة إليها أو متشبهة
بها". وفي هامش هذا النص يترك عبد الرحمن إحالة إلى ابن سينا فيها تنصيص على أن العقل يدرك عالم الأمر، والحس يدرك عالم الخلق. وفي هذا الكلام تعميمات وتقريرات عدة لا دليل على شيء منها. فمن أين أتى عبد الرحمن بدعوى أن جمهور المسلمين قالوا بتوقف النجاة على المعقولات، أو بالزهد في المحسوسات واحتقارها؟ وعلى فرض أن بعض الإسلاميين صرّحوا بشيء من ذلك،
فمن أين له أن يجعله موقفًا عامًا لهم؟ ثم إن النص الذي استشهد به في الهامش لا يوحي بذلك، ولا يتضمنه، ولا يستلزمه، بل يوحي بأن هذا الاحتقار أو التزهيد أمر متقرر عند عامة المسلمين. فمن الذي يحتقر الحس، ويدعو إلى الزهد فيه؟ أهو ابن سينا، صاحب النص المشار إليه، وهو إمام في الطب والفلك، وهما من العلوم التي يقوم جانب كبير منها على الحس؟ أم عامة المتكلمين، الذين جعلوا النظر في أحوال العالم وأحوال النفس منطلقًا لفنّهم، وهو أمر يعتمد على الحس اعتمادًا
(3((مصطفى النشار، نظرية المعرفة عند أرسطو، ط 3 (القاهرة: دار المعارف، 1995)، ص 113، شوهد في 2026/6/6، في:
https://acr.ps/hBy2sKD
(3((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.66–65
ظاهرًا؟ حتى قال قائلهم: "فلتنظر لنفسك ثم انتقل للعالم العلوي ثم السفلي، تجد به صنعًا بديع
الحكم، لكن به قام دليل العدم". والواقع أنه، إن كان ثمة تفضيل في الفكر الإسلامي بين الإدراك العقلي والإدراك الحسي، فإنه لا يبتعد كثيرًا عن الترتيب الذي قرره عبد الرحمن نفسه. وربما يصادف الباحث تقريرات تقدّم المعرفة النظرية
على المعرفة العملية، لكنّ ذلك لا يقتضي بحال احتقار الحس أو الإزراء بمداركه. لقد تفاقم الإشكال في معالجة عبد الرحمن لهذه النقطة من ثلاثة مداخل: الأول تعميم موقف العقلانية الغالية التي تحتقر الحس على جميع المتكلمين والفلاسفة المشائيين، سواء الإسلاميين أم اليونانيين؛ والثاني معالجة الموضوع تحت عنوان الفصل والوصل؛ والثالث اعتبار كل تصريح ينص على التفاوت بين العقل والحس احتقارًا للحس. وهذا كله غير مسَّلَم به، كما لا يخفى. التعميم الثالث: إلصاق النزوع إلى تأليه العقل بعموم المفكرين المسلمين. وهذه النقطة من أغرب ما يصطدم به القارئ في هذا الفصل. وبغضّ النظر عن الإشكالات المتعلقة بأصل دعوى التأليه هنا، فإن هذه الوقفة ستقتصر على مناقشة نسبة هذا النزوع إلى المفكرين المسلمين، على أن تأتي مناقشة أصل فكرة التأليه في موضع لاحق. يصرّ عبد الرحمن على نسبة النزوع إلى تأليه العقل إلى المفكرين المسلمين على وجه العموم، فيقول:
"وحتى عند الأقوام غير اليونان الذين لم يؤلّهوا العقل تأليه هؤلاء له، بلغ التعلّق بالعقل عندهم حد العبودية له بوجه أو بآخر، فهؤلاء علماء المسلمين على شديد توحيدهم لم يبقوا بمنأى عن هذه العبودية للعقل، ينهض دليلًا على ذلك إجماعهم على أن العقل هو المقوّم الذاتي الذي يُميّز الإنسان
عن البهيمة، حتى خصّوا مناط التكليف به، بدل أن يكتفوا فيه بمجرد البلوغ". وتأمل قوله: "علماء
المسلمين"، فهذا جمع مضاف يفيد العموم، فلا يقتصر الاتهام على طائفة بعينها من المفكرين، بل يشمل عامة علماء المسلمين. بل إن العلة التي استند إليها أصرح في إفادة هذا العموم؛ إذ إن القول بأن العقل مقوّم للإنسان وشرط في التكليف أمر متفق عليه بين المسلمين، فيلزم، بناءً على استدلال
عبد الرحمن، أن تكون هذه العبودية، أو هذا النزوع إليها إذا احترزنا في العبارة، آفةً مشتركة بين جميع علماء المسلمين! فما هذه المجازفة الغريبة؟ ثم لنعد إلى دليل عبد الرحمن على هذا النزوع التأليهي عند المسلمين، فسنجد أن الدليل أغرب من الدعوى نفسها؛ إذ يستدل على ذلك بأنهم جعلوا العقل مقومًا ذاتيًا للإنسان، وشرطًا لازمًا في
التكليف. فما العلاقة بين الأمرين؟! لو أنهم جعلوا العقل مقوّمًا للألوهية لاستقام وجه الاستدلال،
أما جعله مقومًا للإنسانية، والإنسان مخلوق لا محالة، وشرطًا في التكليف، والتكليف من أحكام
المخلوقين، فهو أقرب إلى أن يكون دليلًا على نفي تأليه العقل، لأنه يربطه بصفات المخلوقين وأحكامهم. فمن أين لعبد الرحمن هذا الاستخلاص البعيد، وهذا الاستنتاج الغريب؟
(3((إبراهيم البيجوري، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، تحقيق عبد العالي عيادو (الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 2021)، ص.18 (3((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.66
2. الاستنتاجات المستغربة
من أكثر ما يلفت في حجاج عبد الرحمن هنا الاستنتاجات المستغربة التي يكثر من إيرادها في معالجة قضية اتصال العقل بالحس. فبعد تعميم النظريات والآراء الخاصة، يعمد إلى نقض الآراء التي يُلصقها
بعامة العقلانيين والإسلاميين بطريقة غريبة، قد تُنتج أحيانًا نقيض دعواه، وربما ارتدت عليه أكثر مما دعمت كلامه، حتى ليصحّ القول إنه يرسم خصمًا غير موجود أصلًا، ثم يردّ عليه بما يدافع عنه.
وفيما يأتي عرض لأبرز هذه الاستنتاجات: الاستنتاج الأول: استخلاص نزوع المسلمين إلى عبودية العقل من اعتباره مقوّمًا للإنسان وشرطًا
محوريًا في التكليف، وقد تقدم عرضه. الاستنتاج الثاني: الوثنية العقلانية وتأليه العقل. يدّعي عبد الرحمن أن هناك وثنية عقلية شملت الفكر البشري عامة، وعبارته: "يجوز الكلام في هذا الصدد عن نوع من الوثنية العقلية، اصطبغت به المعرفة البشرية في مجملها، فلما تقرّر عند اليونان أن العقل أسمى من الحس، لا غرابة أن يقع الارتقاء بهذا
الشرف إلى أقصى مداه، ويبلغ به غاية الروحانية وهي الألوهية، فيصبح العقل إلهًا، بل يتفرّع إلى عدة
آلهة". ويلاحظ على هذا التقرير إشكالات عدة، منها: أولًا: ينبغي التمييز بين العقول التي ألّهها بعض اليونان، والعقل النظري الذي يتعلق به البحث في نظرية المعرفة. فاليونان، ولا سيما المشائيون المتأخرون، لا يطلقون لفظ العقل بمعنى واحد، بل يطلقونه، إلى جانب إطلاقه على العقل النظري، وهو الإطلاق السائد في نظرية المعرفة، على الموجودات المجردة أيضًا. فقد استقر في الفلسفة المشائية، بصيغتها المتأخرة، وعند من تأثّر بها، أن كل موجود مجرد عن المادة يصحّ أن يسمى، اصطلاحًا، عقلًا. يقول محمد حسين الطباطبائي (ت. 1981): "كل
مجرد فإنه عقل وعاقل ومعقول". وهذا هو القدر المشترك بين العقول المجردة جميعها، ومنها العقل الفعال، وهو أنها ذوات مجردة مستقلة بنفسها، تنتمي إلى العالم العلوي. ثم يختلف القائلون بها بعد ذلك: أهي قديمة أم حادثة؟ آلهة أم صادرة عن الإله؟ فمحل الخلاف لا يرجع إلى طبيعة هذه العقول، وإنما إلى التصور الميتافيزيقي الذي يتبنّاه كل مفكر وعقيدته الدينية. ولما كان تعريف العقل
المجرد يصدق، من هذه الجهة، على كل موجود مجرد، جاز لبعض الفلاسفة الموحدين، ومنهم بعض الإسلاميين، إطلاق لفظ العقل على الله تعالى، من حيث كونه موجودًا مجردًا، لا من حيث العقل النظري المعروف في مباحث المعرفة. ومن هذا قال ابن سينا (ت. 427 ه)، في وصف واجب الوجود: "هو عقل محض يعقل ذاته". ومن الواضح أنه لا يقصد بذلك العقل النظري، ولا العقل الفعال، أو العقل الفياض، الذي هو أكثر العقول المجردة اتص لًا بنظرية المعرفة، والذي طالما أثار
((3(المرجع نفسه. (3((محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، تحقيق وتعليق غلام رضا فياضي (طهران: مركز انتشارات، 1398 ه)، ج 4، ص 1017،
شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sdL
(3((الحسين بن عبد الله بن سينا، النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق عبد الرحمن عميرة (بيروت: دار الجيل، 1992)، ج 2، ص.133
الإشكالات بين الفلاسفة في بيان علاقته بالعقل الإنساني، فمنهم من قال بالاتصال به، ومنهم من قال
بالفيض عنه، ومنهم من أنكره أصل. وقد فرّق القائلون بالعقول المجردة بوضوح بين أنواعها، كما فرّقوا بين العقل الفعال والعقل البشري
يرظنلا لقعلا وأ، يئزجلا.اومّسف لاعًاافنم لاقًااع يناثلاو، لا عف لاقًااع لولاأ. نبا اذهو لوقي هسفن انيس:
"إن القوة النظرية في الإنسان تخرج من القوة إلى الفعل بإثارة جوهر هذا شأنه [...] وهذا الشيء لعًاافنم لاقًااع ينلوايهلا لقعلا ىمسي امك، لا عف لاقًااع ىمسيا ". وهذا نص صريح في التمييز بين العقل النظري، الذي يجعله ابن سينا محتاجًا إلى غيره، والعقل الفعال، بوصفه واحدًا من العقول
المجردة. فأين هو تأليه العقل؟ وأين الوثنية العقلية التي تحدّث عنها عبد الرحمن؟ ثم إذا انتقلنا إلى تحليل دليله على إلصاق هذا التأليه بهم، وجدنا أن حجّته الوحيدة هي أن مجرد
تقديم العقل على الحس يؤدي إلى تأليهه. غير أن هذا عين الدعوى، فيكون استدلاله مصادرة على المطلوب، وأقل ما يقال فيه أنه لا ينهض بالنتيجة الكبيرة التي أراد بناءها عليه. ثانيًا: إذا كان عبد الرحمن قد نسب تأليه العقل إلى علماء المسلمين بالإطلاق، مستندًا إلى الوجهين
السابقين، فإن له هو نفسه عبارات كثيرة تُعلي من شأن العقل، وتربط بينه وبين الإله ربطًا هو أكثر صراحة مما نجده عند عامة الإسلاميين، بل حتى عند اليونانيين. فيقول في معرض مناقشته إشكالية اتصال العقل بالشرع: "العقل الإنساني في أصله صادر عن الإله، صدور القول الشرعي عنه، فإذا قيل بأن العقل يمارسه الإنسان من داخله وبمحض إرادته، بينما الشرع يتلقاه من خارجه وإرادة خالقه، قلنا بأن هذا، إن تأملناه، غير مسلم، فلم لا يجوز أن يكون العقل شرعًا يتلقاه الإنسان من داخل، وأن يكون الشرع عقلًا يتلقاه الإنسان من خارج؟". ويؤكد هذا النص أن العقل إلهي المصدر، وأنه لا ينبغي أن يشوّش علينا في
الحسم بذلك كونُه فعلًا داخليًا؛ لأنه، وإن كان كذلك، فإن هذا لا يمنع أن يكون شرعًا من داخل. ومع أن
المقصود الأساسي لعبد الرحمن من هذا الكلام لا يخفى، فإن النص ينطوي على نزوع تأليهي صريح، ولا سيما إذا تعاملنا معه بمقاييس عبد الرحمن نفسها في توجيه الإلزامات واستخلاص الاستنتاجات. يقول عبد الرحمن، في السياق نفسه، عند تقريره التوحيد التام بين أسلوب البيان في الشرع وأسلوب البيان في العقل: "فإن قيل بأن وسائل التعبير والتبيّن التي يستخدمها النص الشرعي لا يمكن أن يتوسّل
بها العقل من عنده وبنفسه، قلنا بأن هذا، كذلك إذا تأملناه، غير مسلم، فلم لا يجوز أن تكون وسائل العقل، في الأصل، وسائل شرعية، لكن دخلت عليها الصناعة العلمية". وبغضّ النظر عن جوانب هذا النص، فإن أقل ما يستخلص منه رفع وسائل العقل إلى مستوى وسائل الشرع، وهو أيضًا نزوع تقديسي
(3((ينظر لمزيد من التفصيل نماذج من المواقف عن العقل الفعال، في: محمود قاسم، نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها عند
توما الإكويني (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، [د. ت.])، ص 16–15، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sum ((3(ابن سينا، ج 2، ص.43 (3((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.91–90 ((4(المرجع نفسه، ص.92
تأليهي لا يخفى. ومن ثم يتبيّن أن الإشكال الأساسي عند عبد الرحمن ليس في تقديس العقل، أًّيًا كان،
لأن هذا النزوع حاضر في كلامه وتقريراته حضورًا لا يسهل دفعه، وإنما الإشكال الأكبر عنده في شكل
من أشكال العقلانية؛ إذ يرى أنها لا تستحق ما أوليته من احترام وتقدير. فمشكلته، في حقيقتها، مع مفهوم العقل النظري، بغضّ النظر عن قضية التقديس، أما ما سوى ذلك فليس إلا مستندات عارضة يثيرها تكثيرًا للحجج، وإيغ لًا في الرد على الخصوم، والتنفير من مقولاتهم. الاستنتاج الثالث: الرد على الفصل بين العقل والحس بتأكيد ذلك. يؤكد عبد الرحمن هنا اتصال العقل بالحس، كما سلف تقريره عن رجال الفلسفة العقلية، من حيث توقّف العقل على الحس في استخلاص التجريد من الجزئيات أولًا، وإثارة المبادئ الأولية ثانيًا. ومحل الاستغراب هنا يرجع إلى
جهات عدة؛ أهمها أنه يردّ على خصوم غير معروفين، ينسب إليهم الفصل بين عمل العقل وعمل الحس، ثم يستدل على إثبات هذا الاتصال بنقول من نظرياتهم نفسها، قرروا فيها توقّف العقل على الحس، أي – بعبارة عبد الرحمن – اتصال العقل بالحس، ويجعل هذه النظريات إلزامًا لهم، كأنهم
كانوا يقولون بخلافها. ثم لا يكتفي بذلك، بل يعود فينسب إليهم الخطأ في فهم التجريد، من غير أن يقيم على هذه الدعوى دليلًا أو ينقل فيها نصًا، ثم يرجع فيردّ على هذا الخطأ المزعوم بعبارة مبهمة
لا تضع اليد على موضع النزاع، ولا تحسم رأيه في المسألة. فيقول: "لا تقف صلة العقل بالحس عند هذا الوجه من الارتباط، أي أثر العقل في الحس، بل يتعدّاه إلى حصول التفاعل بينهما، فكما أن في الحس عقلًا، فكذلك في العقل حس، فمن المسلّم به أن الإدراك العقلي يتعلق بالأمور الكلية، في حين أن الإدراكات الحسية تتعلق بالأمور الجزئية، ومن المسلّم به أيضًا أن هذه الكليات العقلية إنما تحصل بطريق التجريد من الجزئيات الحسية". ويلاحظ، أولًا، أن هذا نفسه هو ما يقرره عامة العقلانيين الأرسطيين، بل عامة الإسلاميين، فقد كانوا أسبق إلى تقرير هذا الوجه من الانفصال والاتصال، فمن هم أصحاب الفصل الذين يردّ عليهم عبد الرحمن إذًا؟ ويلاحظ، ثانيًا، أن مقصوده من هذا الكلام هو تقرير الاتصال بين العقل والحس من
خلال مسلّمتين: الأولى، توزّع العقل والحس على مجال معرفي يختص به؛ فللعقل إدراك الكليات، وللحس إدراك الجزئيات، وبهذا يتكاملان ويتعاضدان. والثانية، توقّف التجريد على الاحتكاك بالمحسوسات. لكن العجب أن عبد الرحمن يردف ذلك مباشرة بما ينقض هاتين المسلّمتين؛ أي ينقض الأدلة التي أقامها لإسناد دعواه. فيقول، متابعًا ما تقدّم: "إّلا أن هاتين المسلّمتين تنبنيان على
خطأ في فهم التجريد، ويقوم هذا الخطأ في حمل التجريد على معنى الانفصال الكلي عن الحس، وليس الأمر كذلك، فلا يزيد التجريد عن كونه انتزاعًا لبعض عناصر المحسوس، ورفعًا لها إلى رتبة
العناصر الكلية، جاعلًا منها صورًا وبيانات وعلاقات، وإذا صحّ هذا، صحّ معه أن ما ينتزعه العقل،
ولو أنه يعيد بناءه، يبقى عبارة عن عناصر مستخرجة من مادة المحسوس نفسها، وهكذا، فإن المعقول، مهما بلغ من التجريد، يبقى حاملًا أسبابًا حسية معينة".
(4((المرجع نفسه، ص.67 ((4(المرجع نفسه، ص.68–67
وأول سؤال يعرض هنا: بغضّ النظر عن أن عبد الرحمن ينتصب، في هذه الفقرة، لإبطال المسلّمتين اللتين استند إليهما في تأسيس التفاعل بين العقل والحس، فكيف ينقض هذا التقرير للتجريد هاتين المسلّمتين؟ فعلى التسليم بأن التجريد يبقى حاملًا أسبابًا حسية معيّنة، بمعنى أو بآخر، فإن ذلك يدعم
المسلّمة الثانية، وهي توقف التجريد على الحس، ولا ينقضها. فقد أقرّ عبد الرحمن أن هذه العناصر
كانت حسية جزئية بالفعل، ثم تدخل العقل بالتجريد فحوّلها إلى كليات، فما وجه النقض إذًا؟ أليس هذا عجيبًا حقًا أن يقيم الكاتب مسلّمات ليدعم بها دعوى، ثم ينقضها ذاهلًا أنه بذلك ينقض دعواه
أيضًا، ثم يرجع ثالثة، فيستدلّ في نقض تلك المسلّمات بما يدعمها! السؤال الثاني: ينبغي التدقيق هنا في طبيعة الانفصال بين التجريد والحس الذي يُلصقه عبد الرحمن بخصومه، وفي طبيعة العناصر المحسوسة التي تبقى في التجريد بحسب تقريره؛ إذ لا بد من تحديد الأمر بدقّة للنظر فيما إذا كانت تلك العناصر المحسوسة تتعارض مع ذلك الانفصال أم لا. لقد تحدّث رجال المذهب العقلي بإسهاب عن طبيعة الكلّي الناشئ عن التجريد: أهو موجود ذهني، أم اعتبار عقلي، أم غير ذلك؟ مع تنصيصهم جميعًا على أن هذه الكلّيات ليست إلا تعبيرًا عن العناصر الذاتية
للمتشخصات الحسية في الخارج، بمعنى أنها انعكاس لهذه المتشخصات، وتعبير عن مكوناتها. وهكذا دققوا القول في طبيعة الكليات الحاصلة من التجريد، مع حسمهم قوة ارتباطها بالعناصر المحسوسة. فأين الإشكال إذًا؟ والإشكال الحقيقي، فيما يبدو، يتجلى في موقف عبد الرحمن من التجريد؛ فهو لا يعترف، أولًا، بمركزيته في الفكر الفلسفي، ولا يعترف، ثانيًا، باقتداره على إدراك المقومات الذاتية للمحسوسات،
بل غاية ما يقرره أنه يعبّر عن عناصر في المحسوس، على وجه الإجمال. ثم يستبدل به، أخيرًا،
منهجًا آخر يراه أقوم وأهدى، وهو ما يسميه التأثيل الفلسفي. ويبدو – والله أعلم – أن كثيرًا من هذا
الاضطراب والغموض إنما يرجع إلى هذا الموقف. وربما كان تقرير عبد الرحمن لدور الحس في عمل المبادئ الأولية أوضح وأشد تماسكًا، إلا أن القارئ لا يُخطئ عبارات كثيرة تومئ، بل تكاد تصرّح، بحقيقة موقفه من هذه الأوليات؛ تشكيكًا
في قبليتها من جهة، وتعريضًا بانتزاعها من الحس من جهة أخرى. فيقول: "وحتى لو فرضنا أن للعقل مقولات قبلية ومنطقية خاصة به يصوغ بفضلها المعطيات الحسية [...] فإنه من الثابت أن هذه المقولات لا تأثير لوجودها، بل لا فائدة منها، ما لم تزدوج بالمحسوسات [...] حتى كأن هذه المعقولات استخلصت من هذه المحسوسات". والحق أنه أغنى قارئه عن تتبّع مثل هذه التعاريض
والتلميحات؛ إذ صرّح، في غير موضع، برفضه المبادئ الأولية، وعدّها منحرفة ومتجاوزة، منطقيًا
وفيزيائيًا، وإذا طلع الصباح، أطفئ القنديل.
((4(ينظر الخلاف في طبيعة الكلّيات ومصدر التجريد وخصائصه في المذهب العقلي: البقالي، ص.116–96 (4((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.68
خاتمة
بهذا تنتهي أهم الوقفات النقدية في قضية اتصال العقل بغيره. وقبل وضع القلم جانبًا، يحسن تلخيص
أهم الخلاصات والاستنتاجات، وبيان أثرها في تحديد موقع عبد الرحمن من التراث ونظرية المعرفة: أوالًا: وقعت معالجة عبد الرحمن لهذه القضية في عدة مآخذ كبرى، من أهمها: • الإجمال والإيهام في المقصود بالذات من معنى الفصل والوصل؛ إذ يحتمل أنه يقصد الاتصال بمعنى تصادق العقل والحس على مدرك واحد، فيكون بينهما تداخل في حقيقتهما، ويحتمل أنه يقصد تقاطع مجالَي إدراكهما، كما يحتمل أيضًا توقّف عمل أحد الطرفين على الآخر. وإن كان غالب كلامه أوضح في المعنى الأول، فإنه لا يطّرد فيه. • التصرف في تصوير مذهب الخصم، والإغضاء عن صورته الأصلية، وتقديمه من زوايا خاصة غريبة، مع تعميم أقوال شاذة، وتركيب تصورات خاصة، ثم الرد عليها بما تقرره هذه المذاهب نفسها. • الخروج على المصطلح الفلسفي، وجهة البحث الفلسفية، كما تقدّم، مثلًا، في تقريره بخس الحس من خلال القول بانفصاله. • الاستناد إلى أدلة ومآخذ كثيرًا ما تفضي إلى نقيض مقصوده. ثانيًا: تكررت عند عبد الرحمن، في مناقشته قضايا التراث الإسلامي، مشكلات عدة، تضع علامة استفهام كبيرة أمام منهجه في التعامل مع التراث الإسلامي، ولا سيما التراث الفكري والكلامي والفقهي، وتؤكد أن احترامه للتراث لا يتعدى نصوص الوحي والنص الصوفي. أما غيرها من الاختصاصات العلمية، فقد وقع في تعامله معها في مآخذ عدة، من أهمها: • التقويمات العامة التي انطوت على قدر غير قليل من التجنّي في حق طوائف عريضة من رجال الفكر الإسلامي، كالفلاسفة والمتكلمين والفقهاء، في أكثر من موضع، ولأقل من مناسبة، ومن ذلك اتهامهم بتأليه العقل، واحتقار الحس، والاستلاب للعقل اليوناني، إلى غير ذلك. • كثرة تعميم المواقف الفكرية الخاصة أو الشاذة، وتقديمها بوصفها مواقف سائدة في التراث الإسلامي عامة، أو عند غالبية مفكريه. • اعتماد الافتراض والاحتمال في فهم آراء رجال التراث الإسلامي ومواقفهم، من دون الاستعانة بالقدر الكافي من نصوصهم للتحقق من دقة فهمها، أو من صحة تلك الاحتمالات. وإذا انضاف إلى ذلك تعميم الآراء الخاصة، والأقوال الشاذة، واتخاذها ممثلًا عامًا، واعتماد منظور نقدي
يشتمل على قدر غير قليل من البخس، اتضح مقدار الإجحاف الذي لحق بتصوير آراء المفكرين الإسلاميين في عرض عبد الرحمن لها.
ثالثًا: تشرّب عبد الرحمن، في نظريته المعرفية وتناوله العقل والعقلانية، غير قليل من مبادئ الفكر
التجريبي ونظرية المعرفة الغربية الحديثة؛ فهو يتفق معها في جل منطلقاتها، وإن كان يفارقها في عدم الانحصار في الحس، والانفتاح على الماورائيات، والمعاني الدينية والوجدانية. ومن أبرز هذه المواقف، كما تتبدى في مسألة اتصال العقل بغيره، وفي نظريته في العقل والعقلانية عامة: • إنكار العقل النظري، بما يستتبعه من خصائص وعناصر، وفي مقدمتها المبادئ العقلية والضرورة العقلية. • توسيع معنى العقل بما يشمل مجموع مدارك الإنسان، ومن هنا جاءت قضية الاتصال بين العقل والحس والدين والأخلاق، وهو، وإن كان يبدو توسيعًا يثري معنى العقل ويوسع مجاله وآفاقه، فإنه عند التحقيق يمحو خصوصيته، ويذيب ذاتيته، ويذهب بكينونته. بمجموع هذه الخلاصات، يتضح أن عبد الرحمن، في باب نظرية المعرفة – على الأقل – لا يعيد إنتاج مقررات التراث الأشعري، أو التراث الإسلامي عامة، بمصطلحات جديدة، على النحو الذي يقرره عبد الجبار الرفاعي؛ إذ يقول في مقالة له بعنوان: "غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن": "يختبئ بعض المفكرين وراء الألفاظ، فيشتقون مصطلحات بالعودة إلى جذورها اللغوية، أو يزاوجون ويركّبون مصطلحات أخرى باستعارتها من معجم تراثي، ويسقطونها على مفهوم مستعار من الفلسفة والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة بطريقة متنكرة [...] غواية اللغة الفرديدية وإبهامها قريبان من غواية لغة المفكر المغربي طه عبد الرحمن وإبهامها، الذي يعمد إلى نحت مصطلحات بديلة لما هو شائع ومتعارف عليه بالعربية، تلك المصطلحات التي صاغها في ضوء خبرته وتكوينه المتميز بفلسفة اللغة والمنطق الحديث، ويحاول في سياقها إعادة إنتاج التراث وتلوينه بآرائه ومواقفه التراثية". والواقع أنه لا مجال إلى إنكار قدرٍ مما يمكن تسميته غواية اللغة عند عبد الرحمن، وهي الغواية التي عدّها حسن العلوي أحد أهم أسباب ما سماه "الوضعية الملتبسة"، حين عقد في كتابه طه عبد الرحمن: وقفات نقدية في مشروعه الفكريفصلًا بعنوان: "فكر طه عبد الرحمن: وضعية ملتبسة في الثقافة "، وجعل من أبرز مظاهر هذا الالتباس تصوره للعقل. ومع التسليم بهذا القدر في تقرير الأستاذين، فإن تفاصيل هذه الدراسة تؤكد أن عبد الرحمن لا يكسو مقررات التراث بمصطلحات جديدة، بل لعل الأمر أقرب إلى العكس؛ إذ يستبطن كثيرًا من مقررات الفلسفة الغربية الحديثة، ويكسوها مسحة تراثية.
فقد رأينا شدة مباينته لمقررات التراث في هذه القضية، وقسوته، التي تبلغ أحيانًا حد التجني، في نقده له، فضلًا عن الإشكال الكبير في تصوره له، وتصويره لقرائه. وربما كان الذي دفع الرفاعي إلى هذا
(4((عبد الجبار الرفاعي، "غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن"، موقع عبد الجبار الرفاعي الرسمي، 2023/8/31، شوهد في
2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy49gO
(4((حسن العلوي، طه عبد الرحمن وقفات نقدية في مشروعه الفكري (الرباط: مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، 2024)، ص.59 ((4(المرجع نفسه، ص.63
الاستخلاص هو المآلات العامة لفلسفة عبد الرحمن، وموقفها من الدين والتصوف والعرفان، لكن على مستوى التفاصيل ثمة واقع آخر؛ إذ إن مباينة عبد الرحمن للمقررات الكلامية والفقهية والفلسفية المشائية ليست مجرد استنتاج بحثي، بل تشهد بها تصريحاته المتكاثرة، ومواقفه وانتقاداته المتضافرة، التي رأينا عينة منها في هذه الدراسة. فهو لا يقدّم نفسه منافحًا عن النص الشرعي في التراث الإسلامي
إلا بقدر ما يوجّه نقدًا حادًا إلى الإنتاجات الفكرية لأعلامه، ولا سيما الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء،
وبخاصة في باب نظرية المعرفة وقضايا العقل. وربما كان أحمد الفراك أدق في هذا المقام، حين لخّص، في تناوله مسألة اتصال العقل بالحس، في كتابه فلسفة العقل عند طه عبد الرحمن، التباين الكبير بين تصور عبد الرحمن والتراث الإسلامي، ثم أشار مباشرة إلى تقاربه مع مقررات الفكر الغربي الحديث من خلال عرضه لفكرة اتصال العقل والحس عند الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. غير أنه يؤخذ عليه أنه سلّم بتوصيفات عبد الرحمن للتراث في هذه المسألة، وعدّها مقررات سليمة، وعزّزها بالنقول التي اقتبسها من مفكرين آخرين يلتقون مع أفكار عبد الرحمن، من غير أن يشير إلى ما يكتنف هذا التصوير من إشكالات، أو إلى مداخل نقده. وفي ضوء ذلك كله، تتأكد الحاجة إلى إعادة النظر في تشخيص موقف عبد الرحمن من التراث، من جهة، وإلى إعادة التمييز، من جهة أخرى، بين مقررات العقل التراثي الإسلامي، كما تنطق بها كتب رجاله، وبين كثير من إسقاطات نظرية المعرفة الحديثة التي يُلحقها بهم بعض الباحثين المحسوبين
على التراث، من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
المراجع References
ابن سينا، الحسين بن عبد الله. النجاة في المنطق والإلهيات. تحقيق عبد الرحمن عميرة. بيروت: دار الجيل،.1992 أرسطوطاليس. كتاب النفس. ترجمة أحمد الأهواني. ط 2. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015.
في: https://acr.ps/hBy2sKj
أفلاطون. محاورة ثياتيتوس أو عن العلم. ترجمة أميرة حلمي مطر. القاهرة: دار غريب، 2000. في:
https://acr.ps/hBy2su2
________. محاورة فيدون. ترجمة عزت القرني. ط 3 دار قباء. القاهرة:، 2001 في.:
https://acr.ps/hBy2sdr
البقالي، عبد الله. "النزعة العقلية في المنطق والكلام والفلسفة". أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراهُ. كلية أصول الدين. جامعة عبد المالك السعدي. تطوان، /2023.2024
(4((أحمد الفراك، فلسفة العقل عند طه عبد الرحمن (إسطنبول: دار إقدام، 2023)، ص.89–86
البيجوري، إبراهيم. تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد. تحقيق عبد العالي عيادو. الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة،.2021 الجرجاني، السيّد الشريف علي بن محمد. شرح المواقف في علم الكلام. تحقيق محمود الدمياطي.
ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2012:. في https://acr.ps/hBy2sJZ الرفاعي، عبد الجبار. "غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن". موقع عبد الجبار الرفاعي الرسمي. 2023/8/31:. في https://acr.ps/hBy49gO الشافعي، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الرازي. التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب. بيروت: دار الكتب العلمية،.1990 الشهرستاني، عبد الكريم. نهاية الإقدام في علم الكلام. حرره وصححه ألفريد جيوم. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2009:. في https://acr.ps/hBy2t0U الطباطبائي، محمد حسين. نهاية الحكمة. تحقيق وتعليق غلام رضا فياضي. طهران: مركز انتشارات،
1398 ه. في: https://acr.ps/hBy2sdL
عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
1997:. في https://acr.ps/hBy2t0g
________. اللسان والميزان أو التكوثر العقلي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
1998:. في https://acr.ps/hBy2sto
________. سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012:. في https://acr.ps/hBy2scN العلوي، حسن. طه عبد الرحمن وقفات نقدية في مشروعه الفكري. الرباط: مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث،.2024 الفراك، أحمد. فلسفة العقل عند طه عبد الرحمن. إسطنبول: دار إقدام،.2023 قاسم، محمود. نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها عند توما الإكويني. القاهرة: مكتبة الأنجلو
المصرية، [د. ت.]. في: https://acr.ps/hBy2sum
كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة اليونانية. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية،.2009 ________. العقل والوجود. الجيزة: مكتبة النافذة،.2015 النشار، مصطفى. نظرية المعرفة عند أرسطو. ط 3 دار المعارف. القاهرة:، 1995 في:.
https://acr.ps/hBy2sKD