Return to Article Details Abdallah Laroui and Western Culture: Marx and Montesquieu as Pathways to Overcoming Historical Delay

عبد الله العروي متأثرًا بالثقافة الغربية: العودة إلى ماركس وتعريب كتاب مونتسكيو نموذجان لتجاوز مأزق التأخر التاريخي

Abdallah Laroui and Western Culture: Marx and Montesquieu as Pathways to Overcoming Historical Delay

سفيان البراق

Soufian EL Barrak

الملخّص

تسعى الدراسة إلى تحليل الكيفية التي صاغ بها عبد الله العروي إشكالية التأخر التاريخي، وبيان موقع الماركسية الموضوعية والتاريخانية ومشروع الترجمة في تصوره للحداثة العربية. وتنطلق من قراءة مؤلفاته، ولا سيما الأيديولوجيا العربية المعاصرة ومفهوم الأيديولوجيا ومقدماته الترجمية، مع تتبّع إحالاته إلى ماركس ومونتسكيو وابن خلدون، ضمن مقاربة تحليلية مقارنة تجمع بين القراءة النصية والتتبع المفهومي والتأريخ الفكري. وتبيّن أنه لا يتعامل مع الحداثة بوصفها خيارًا ثقافيًا، بل باعتبارها واقعًا تاريخيًا يقتضي استيعاب منطقه الداخلي، وأن تجاوز التأخر مشروط بالوعي به، واعتماد التاريخانية، واستيعاب الماركسية الموضوعية بوصفها خلاصة للفكر الغربي الحديث، وإعادة بناء وظيفة الترجمة باعتبارها أداة لتحديث العقل العربي. وتخلص إلى أن مشروعه يقوم على تحويل التاريخ إلى أفق عملي للتعلم والاقتباس، وعلى إعادة تعريف دور المثقف بوصفه وسيطًا بين الفكر والواقع، بما يجعل نقد التراث واستيعاب التجربة الأوروبية شرطين متكاملين للانبعاث الحضاري.

Abstract

Abstract: This study examines how Abdallah Laroui conceptualizes historical delay and outlines the roles of objective Marxism, historicism, and translation within his conception of Arab modernity. It is based on a close reading of Larouiʼs major works – particularly Contemporary Arab Ideology, The Concept of Ideology , and translational prefaces – while tracing his engagement with Karl Marx, Montesquieu, and Ibn Khaldun through a comparative analytical approach combining textual analysis, conceptual reconstruction, and intellectual history. It argues that Laroui does not treat modernity as a cultural choice but as a historical reality whose internal logic must be understood and assimilated. Accordingly, overcoming historical delay requires first acknowledging its existence, then adopting a historicist perspective, appropriating objective Marxism as the distilled outcome of modern Western thought, and redefining translation as a fundamental instrument for modernizing Arab reason.

الكلمات المفتاحية:
  • عبد الله العروي
  • الحداثة
  • التحديث
  • الفوات التاريخي
  • الماركسية
Keywords:
  • Abdullah Laroui
  • Modernity
  • Modernization
  • Historical Delay
  • Objective Marxism

العربية. وتنطلق من قراءة مؤلفاته، ولا سيما  الأيديولوجيا العربية المعاصرة ومفهوم الأيديولوجيا ومقدماته الترجمية، مع تتبّع إحالاته إلى ماركس ومونتسكيو وابن خلدون، ضمن مقاربة تحليلية

مقارنة تجمع بين القراءة النصية والتتبع المفهومي والتأريخ الفكري. وتبيّن أنه لا يتعامل مع

الحداثة بوصفها خيارًا ثقافيًا، بل باعتبارها واقعًا تاريخيًا يقتضي استيعاب منطقه الداخلي، وأن

تجاوز التأخر مشروط بالوعي به، واعتماد التاريخانية، واستيعاب الماركسية الموضوعية بوصفها خلاصة للفكر الغربي الحديث، وإعادة بناء وظيفة الترجمة باعتبارها أداة لتحديث العقل العربي.

الموضوعية.

مقدمة

شكّل سؤال التأخر التاريخي أسّ المشروع الفكري لعبد الله العروي (1933–)، وقد استلبه

كثيرًا. وهو مفكّر واقعي ينطلق مما يُبصره في يومه، متحاشيًا الغرق في القضايا التي استنزفت

لفيفًا من الكتّاب والمثقفين العرب، من قبيل الدين والسياسة، والوحدة العربية، وسؤال الهوية... إلخ. وانهمك، بدلًا من ذلك، في التفكر في قضايا الواقع المغربي، منفتحًا على ما تعيشه دنيا العرب برمّتها.

وقد أدّى تمعّنه في أسباب التأخر، التي انبلجت ملامحها غداة الهزة النابليونية، بعدما اكتشف العرب كيانات "أخرى ترعرعت في الضفة الأخرى من المتوسط، ذات تنظيم محكم، وجيوش في غاية التنظيم، وأسلحة استُعين في صناعتها بأحدث طرق العلم، وإدارات ذات نفس بيروقراطي وبتعليم عصري"، إلى استخلاص أن الخروج من هذه المعضلات لا يكون إلا عبر اكتساب مخرجات الفكر الغربي و"تمثّل أفكاره ككتلة واحدة" في الثقافة العربية، واستيعاب النتائج التي ترتبت على منظومة الحداثة بوصفها "واقعًا تاريخيًا" بدأ بالانبجاس خلال القرن السادس عشر عبر جملة من التحولات

النوعية الجادة التي شهدتها أوروبا. وقد تمثلت هذه التحولات في اكتشافات علمية مهمة مع كوبرنيكوس وغاليليو، أعقبها ظهور ما يُصطلح عليه ب "الملاحظة والتجريب"، وثورة دينية أعادت الفرد إلى منزلته الطبيعية، وجعلت الإنسان قادرًا على قراءة النص الديني وتأويله بحرّية وأريحية.

كما شهدت أوروبا ثورة سياسية مثّلت انعطافًا حاسمًا في مسارها الحديث، وتجلّت في محاربة الفكر

الإقطاعي، وهو ما أفضى لاحقًا، خلال القرن السابع عشر، إلى تكوّن الليبرالية الأولى التي احتفت

بحرّية الفرد بوصفها "حقه الطبيعي والبديهي" الذي لا يحق لأحد، تحت أيّ ظرف، أن ينتزعه منه.

كذلك احتفت بالفرد العاقل، ممهدةً لنشوء النزعة الإنسية؛ وكانت تلك بداية تمتع الفرد بحرّيته بوصفه

ذاتًا قادرة على الفعل والابتدار والتصرف، وقادرة، قبل ذلك، على التفكير بمنأى عن رقابة الجماعة التي فتّتت المجتمع الأوروبي ردحًا من الزمن؛ إذ كانت غالبية هذه الجماعات مبنية على "العصبيات

الدموية والعشائر الراسخة". وحين وعى الكائن الأوروبي هذه التحولات واستوعبها خلال القرن الثامن عشر، سعى إلى النهل منها وبلورتها في الواقع؛ وهي التحولات التي اختُزلت، فيما بعد، في لفظة "الحداثة". وتمخّضت الحداثة في أوروبا أيضًا بعد أن انفكت السياسة عن العقائد والوجدان

(((أنطوان سيف [وآخرون]، هكذا تكلّم عبد الله العروي (بيروت: منتدى المعارف، 2015)، ص 268، شوهد في 2026/6/6، في:

https://acr.ps/hBy2t1H

(((عزيز العظمة، "بين الماركسية الموضوعية وسقف التاريخ (مناقشة لفكر عبد الله العروي)"، الكرمل (فلسطين)، العدد 13 (تموز/ يوليو 1984)، ص 89، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2t1n

(3) Abdelmajid Kaddouri, Abdellah Laroui: Le Penseur Marocain Contemporain (Casablanca: Centre Culturul du livre, 2019), p. 39, accessed on 6/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2see (4) Ibid.

(((عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط  4 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2008)، ص 61، شوهد في 2026/6/6،

في: https://acr.ps/hBy2sdU

(((محمد سبيلا، مدارات الحداثة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص 128، شوهد في:2026/6/6، في

https://acr.ps/hBy2suP

والذكريات، وصارت تؤمن بالمصلحة والمنفعة، متكئةً على التعقل والمنطق السليم في التفكير والتصرف؛ ذلك أن "السياسة لا تخاطب المشاعر والذكريات"، بل تبدأ من المصلحة وتنتهي إلى "الواقع". وتتجلّى الحداثة كذلك حين تخلّص الكائن الأوروبي من سطوة الذهنية الاستهلاكية الميالة إلى الاستقرار والجمود والاتكال ومحاربة الإبداع والابتكار والتجديد، وفتح، بدلًا من ذلك، الباب أمام الذهنية الإنتاجية المستندة إلى اليد والتعقّل. وكانت تلك لحظة فاصلة بين حضارتين: حضارة يحكمها سلطان اللسان، وأخرى تؤمن بالمهارة اليدوية وتتغيّا التصنيع والإنتاج. أبان العروي أن التأخر التاريخي الذي تعيشه المجتمعات العربية قد أسهمت فيه جملة من الأسباب، أو كما يسميها "عوائق التحديث" التي كبحت مسير الحداثة الفكرية، وجعلت الذهنية العربية عاجزة عن تشرّب قيمها ومقولاتها. ويمكن استحضار ثلاثة من هذه العوائق: أولًا، الأمية، وليس المقصود بها عدم إجادة الكتابة والقراءة، بل "ثقافة الأم" التي تمارس أثرها في الطفل منذ أن ارتمى في حضن أمه؛ إذ يبصر سلوكها وتصرفاتها، ويتأثر بلغتها وتحليلاتها لما يجري حولها، ويغرف من نظرتها إلى الحياة، ويبقى عاجزًا عن الانفلات منها حين يينع عوده ويشتد، كما حصل مع إدريس في نص أوراق، ومع نعمان في رواية "غيلة"، بل تظل متدخلةً في تأويلاته وقراراته، ومن ثم بقيت عائقًا أمام التحديث السياسي، ووأدت الحلم الديمقراطي. وثانيًا، أسهمت الدولة التقليدية العتيقة (السلطنة في المشرق، والمخزن في المغرب) في إعاقة التحديث، وأخّرت المجتمع العربي، وجعلته بعيدًا عن المقولات السياسية الحديثة، من قبيل الديمقراطية، والمواطنة المساهمة، والليبرالية... إلخ؛ إذ تستند إلى ثقافة تقليدية قوامها الولاء والعرف والبيعة، والجمع بين سلطتين: دينية وزمنية. وإضافة إلى ذلك، دأب المخزن، بوصفه كناية عن الدولة التقليدية في المغرب، على إيجاد "الشرعية له من خلال

(((عبّر عبد الله العروي، في مقابلةٍ تلفزيونية، عن أنّ السياسة هي ميدان حصريّ للمصالح، وليست ميدانًا للعقائد. ينظر: برنامج

"في الواجهة"، القناة الثانية (المغرب)، يوتيوب، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sL6

(8) Abdallah Laroui, Carnets Covid (Casablanca: Centre Culturel du livre, 2024), p. 29.

(((ينظر: مالك التريكي، "حوارات فكرية مع عبد الله العروي"، الحلقة الثانية، يوتيوب، شوهد في 2026/6/6 في،:

https://acr.ps/hBy2sLq

(1((عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ط  6 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 139، شوهد في

2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2t21

(1((قمين بالإشارة هنا إلى أنّ ابن خلدون في مقدمتهكان قد ميّز بين البداوة والحضارة المدنية؛ فاعتبر أنّ الأولى تعتمد على الخطاب

الشفوي، أي اللسان، وهيمنة الخرافة والسحر وثقافة الأذن وذيوع الِح رف البسيطة، من قبيل الفلاحة في صفوف الناس المنتسبين إلى هذه البيئة لتكون تجلّيًا من تجليات العقل الاسمي – النظري، في حين تتكئ الثانية أساسًا على العلوم والصنائع، أي المهارة اليدوية

والإنتاج. ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد الواحد وافي، ط  7 (الجيزة: دار نهضة مصر للنشر، 2014)، ص.836 (1((ينظر: عبد الله العروي، "عوائق التحديث"، في: نقد المفاهيم (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2018)، ص.134 (1((عبد الله العروي، من ديوان السياسة، ط  2(بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2010 ص)، 126،، شوهد في

2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sey

(1((عبد الله العروي، أوراق: سيرة إدريس الذهنية، ط  6 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، شوهد في

2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sv9

الإخلاص للماضي". وثالثًا، أدّى المثقف دورًا مركزيًا في ارتفاع منسوب التأخر التاريخي، نظرًا إلى البؤس الذي حوّطه ولم يجد سبيلًا إلى الانفكاك منه. وقد تمخّض هذا الشعور السلبي في نفسيته بعدما عجز عن الرضا عن الأوضاع الرائجة في محيطه، الأمر الذي دفعه إلى اعتناق أيّ مذهب يظهر في السوق بغية مداواة نفسه المخرومة التي ترتجّ كلما عاين الغرب وتقدّمَه؛ وهو ما جعل منسوب البؤس يزداد، وحدّة التأخر ترتفع، لأن أزمة المثقف وبؤسه انعكاس بائن "لأزمة مجتمعه [...] إن أزمة المثقف الذاتية هي التي تجعل أزمة المجتمع أعمق وأعوص".

أولا: من وجع التأخر إلى طموح الانتهاض

أفضى هاجس التأخر التاريخي بالعروي إلى العودة إلى الفكر الأوروبي والغور في متون أجلّ رموزه من رجالات الفلسفة والسوسيولوجيا وعلماء الاقتصاد وأساطين علم السياسة وأيقونات التاريخ، من دون أن يُهمل علم النفس؛ إذ عاد إلى سيغموند فرويد (1939–1856) في مفهوم الأدلوجة، والأنثروبولوجيا أيضًا؛ حيث عقّب، في فصل من فصول كتابه العرب والفكر التاريخي، على المستشرق النمساوي غوستاف غرونباوم Gustav Grunebaum (1909–1972) في موضوعٍله صلة بالأنثروبولوجيا... إلخ. وقد تقصّد من ذلك كله الإبانة أن التجربة الأوروبية، وهذا ظنّه الدائم الذي جرّ عليه سيلًا من التقاريع، هي المسار الجدير بالاقتفاء، فضلًا عن المرور بالتحولات

نفسها التي عاشها الكائن الأوروبي. ولم يكتفِ بهذه العودة فحسب، بل اتّجه صوب ترجمة عدد من

(1((عبد الله العروي، أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية؟ ترجمة ذوقان قرقوط (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978)، ص 39، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sLK (1((العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص  176. (بتصرف) ((1(المرجع نفسه، ص.172 (1((ينظر: "العرب وعلم الأصول الثقافي: ملاحظات على منهج جوستاف فون جرونبوم"، في: العروي، أزمة المثقفين العرب، ص.49 ((1(أضرب في هذا المضمار مث لًا بالنقد الذي وجّهه محمد عابد الجابري إلى داعية "الماركسية التاريخانية". فقد عدّ الجابري العروي

معانيًا "معاناة ذهنية" جعلته تائهًا من دون أن يعرف أيّ وجهة يتوقف عندها، وذلك بعدما أولى اهتمامًا كبيرًا "لما كُتب في الغرب". ومن

ثم غدا، في نظره، واقعًا تحت ما سمّاه "سلطة النموذج". ويبدو أن المقصود بذلك الاقتداء بالنموذج الأوروبي الناجح، الذي ظل العروي

يراه مالكًا لأسباب التقدم والتطور، والسعي إلى محاكاة تجربته من دون النظر إليها بالمسافة الموضوعية اللازمة التي تتيح التمييز بين

جوانب القوة ومواطن القصور. ولا سيما أن أيّ تجربة، كيفما كانت وأينما وقعت، تنطوي على جانبين: جانب سلبي ينبغي عدم

الانسياق إليه، وجانب إيجابي قد يتيح إمكانات للاستفادة منه. غير أن الإفادة من التجارب تقتضي التريث والنظر في مدى صلاحيتها لخدمة الواقع، لا الأخذ بها جملة وتفصيلًا، حتى إن بدت إيجابية؛ لأن السياقات متباينة، والظروف مختلفة، أما التلهف إلى استيعاب

كل شيء فقد يفضي إلى مزيد من التراجع والانكفاء. ويستشفّ الجابري أن العروي أقام علاقة تبعية ثقافية عمياء لنواتج الحداثة

الأوروبية، فوجد نفسه حبيس "سلطة مرجعية، ضاغطة، قاهرة، تحتوي الذات وتفقدها استقلاليتها". وهذه من المثالب التي ارتأى الجابري الكشف عنها في سياق نقده للمشروع الفكري والنقدي ل "التاريخاني" العربي الأول. غير أن العروي نفسه تنبّه إلى معرّة "التبعية

العمياء"، وأومأ إليها في كتابه دفاتر كوفيد. ينظر: محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ط  5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 1994)، ص 61–57؛ محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

1990)، ص 57؛ محمد عابد الجابري، "مساهمة في النقد الأيديولوجي"، في: علال الفاسي [وآخرون]، محاورة فكر عبد الله العروي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص 133–108؛ , p. 57 Carnets Covid Laroui,.

المؤلفات المهمّة، منها: كتاب مونتسكيو (1755–1698) تأّملّات في تاريخ الرومان، وكتاب جون

جاك روسو (1778–1712) دين الفطرة، وكتاب باروخ سبينوزا. (1632–1677) مقالة في السياسة وجدير بالإشارة أنه لم يقتصر على نقل نصوص فلسفية إلى العربية، بل تعدّى ذلك إلى ترجمة الأدب أيضًا من خلال النص المسرحي شيخ الجماعة للكاتب الفرنسي هنري دي مونترلان Henry de Montherlant (1972–1895). غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: لماذا اتخذ هذه النماذج الفكرية والفلسفية نماذج مثلى لتحقيق النهضة وإحراز الانبعاث الحضاري والتقدم والكمال؟ وما الغاية من نقل هذه النصوص إلى العربية، وهو الذي ألّف ما ينيف على عشرين مؤَّلَفًا توزعت بين النقد الأيديولوجي والفلسفة والتاريخ والأدب، من خلال الرواية والسيرة الذاتية وأدب اليوميات (رباعية خواطر الصباح) والمسرح أيضًا (رجل الذكرى)؟ هل كان منشغلًا بتثبيت مداميك الفكر الحديث في الرقعة العربية، بوصفه فكرًا يصلح، في تقديره، لتجاوز العرب ورطاتهم؟ ولذلك

عرّب هذه النصوص التي حسبها من أسطع نواتج الحداثة الأوروبية، ولربما ابتغى تيسيرها لغةً وفكرًا

ليمتح منها الراغبون في الإصلاح.

ثانيًا: لماذا عاد العروي إلى ماركس؟

يهتمّ العروي، في المقام الأول، حينما عكف على تأليف كتابه العمدة الأيديولوجيا العربية المعاصرة

(1967)، بكارل ماركس Karl Marx (1818–1883) الشاب الذي دبّج الأيديولوجيا الألمانية، من دون أن يُلقي اهتمامًا بماركس الرجل، أو ماركس الكهل الذي سلك مسلكًا آخر متجهًا صوب تحليل رأس

المال وإمعان النظر في الاقتصاد، إلا في مفهوم الأيديولوجيا (1980). ولعل ما يؤكد هذا الزعم قول العروي الصريح في كتابه الفلسفة والتاريخ: "ما يهمّني عندما أقرأ ماركس خاص بجزء فقط من البشر،

الجزء الخاضع لسلطة الغير، ويكدّ للانفلات من وضعه التعيس. هذا يعني أني أحيل على ماركس مؤلف 'الأيديولوجيا الألمانية'، لا على كاتب 'رأس المال'، على ماركس الذي يقرر أن ألمانيا متخلفة بمرحلة، بدرجة، بمعدل، وعلى العموم بثورة عن جيرانها: فرنسا وإنجلترا". ولعل أجلى ما يمكن استقطاره من هذا القول أن السبب وراء عودته إلى ماركس الشاب هو أن الواقع الألماني في عهد ماركس، خلال القرن التاسع عشر، يتقاطع مع الواقع العربي المتأخر، ومع واقع دول العالم الثالث

(2((مونتسكيو، تأّملّات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط، نقله من الفرنسية إلى العربية عبد الله العروي

(بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2011)، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sdA (2((هنري دي مونترلان، شيخ الجماعة، ترجمة عبد الله العروي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2013 ((2(يشير العروي إلى أن إحراز الانبعاث الحضاري في الثقافة العربية المعاصرة لا بد من أن يمرّ عبر تأمل التاريخ والغور فيه؛

لكونه ينضح بإمكانات هائلة تتيح للأمم المتأخرة، التي نال منها الانكفاء والتأخر، الإفادة من تجارب الأمم المزدهرة والمتقدمة التي أحرزت النجاح والتفوق الحضاري، كما فعل مونتسكيو حين تأمل تاريخ الرومان. وإلى جانب أهمية العودة إلى التاريخ وتأمله، يومئ العروي إلى ضرورة الكتابة في الاختيارات العقدية والدينية والانكباب على تأويلها انطلاقًا من تجربة النبي محمد وحدها، من

دون الاستعانة بالتأويلات الفقهية. ينظر: باروخ سبينوزا، مقالة في السياسة، ترجمة عبد الله العروي (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2023)، ص.9 (2((عبد الله العروي، الفلسفة والتاريخ (صياغة جديدة) (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2023)، ص.124

أيضًا. ومن ثم يجنح العروي، بطريقة غير مباشرة، إلى استعمال منهج التاريخانية؛ أي العودة إلى تجربة ماركس مع محنة التأخر التاريخي، ومعرفة المسار الذي سلكته ألمانيا حتى تجاوزت رزيئتها، وهي المتخلفة عن نظرائها وقتذاك: فرنسا المنتشية بالثورة الفرنسية، وإنكلترا التي دشّنت عهدًا في التصنيع والإنتاج اليدوي لم يشهد الإنسان له نظيرًا من قبل. إن ما أسعف ماركس والمثقفين الألمان في تجاوز بائقتهم التاريخية هو أنهم، حين استشعروا داء التأخر، شرعوا يفكرون مليًا في إيجاد حل للانفلات من عقاله، وعادوا إلى إحياء اللغة العتيقة، وبثّوا

الحياة، مرةً أخرى، في الآداب والفنون التعبيرية المقترنة بالوجدان التي لم يمسسها النقص، كما أولوا المثقف عناية كبيرة، ثم شرعوا في تقليد تجربتَي إنكلترا وفرنسا (حضور روح التاريخانية:

الاستفادة من التجارب الناجحة وإمكانية الاقتباس منها). وإلى جانب ذلك كله، لم تتمكن النخبة العربية من إدراك مرتكزات الأيديولوجيا الألمانية المتأخرة التي تتباين مع المشروع الإصلاحي العربي، ممثلًا في نموذج الشيخ والليبرالي وداعية التصنيع. وفي طليعة هذه المرتكزات: "الصبغة المثالية، والنزعة التاريخانية (الوعي بأن الزمن متفاوت والقيمة الإنسانية متساوية في جميع العصور)، والمنطق الجدلي (الانتقال من مستوى إلى آخر دون التفريط في مكتسبات جميع التجارب"). أما ردّة فعل العرب، فكانت مغايرة لردّة فعل الألمان؛ إذ انقسموا إلى فريقين: فريق سلفي يجتر نظريات الماضي ويعبد الموروث، ويحرس كل شيء عتيق كيفما كان وأينما وُجد، وفريق انتقائي

يتخير ما يناسبه من الحاضر، ومن الماضي على المقاس، من دون أن يدرك أن المنهج الانتقائي لا ينفع في ظل غزو التخلف؛ فإما الفك مع التقليد الذي "ينشأ من المعارضة لشيء ما، للأفكار التي ترادف البضائع الأجنبية" والغوص، في المقابل، في العصرنة والعودة إلى "مسرح التاريخ " مرةً أخرى بعد تحديث المجتمع وعقلنته، وإما الاستسلام لغلبة الماضي والبقاء في المرتبة نفسها. وقد أشار العروي، في هذا السياق، إشارة لمّاحة إلى أن هذا التفاعل المخطئ الذي لقيه ماركس

عند العرب المعاصرين يتقاطع، في تقديره، مع الهفوة التي وقع فيها العرب القدماء مع أرسطو حين شكّلوه كما يريدون، وجعلوه "مفكرًا يوافق ميولهم وتطلعاتهم". إن العرب، عند العروي، تعاملوا

تعاملًا خاطئًا مع المتن الماركسي، ولم يصل إلى هذه الخلاصة إلا بعد تمحيص آراء المفكرين

العرب في الماركسية؛ إذ حاولوا تحوير ما كتبه ماركس وما قاله وفق أهوائهم ومطامحهم ومساعيهم، وهو ما جعل الماركسية، بعد أن كانت "عصارة التاريخ الغربي الحديث والعلم الصالح لكل زمان

((2(المرجع نفسه، ص.178–177 (2((عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ط  5 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 207، شوهد في

2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2t2l

((2(المرجع نفسه، ص.179–176 (2((العروي، أزمة المثقفين العرب، ص  89. ومعلوم أنّ العروي قد أطلق على هذا الاعتراض، الذي غدا ديدن الشيخ – السلفي،

عبارةَ: "الأصالة المتطرفة". ينظر: العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص.200 ((2(مونتسكيو، ص.13 (2((عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 186، شوهد في

2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2seS

ومكان"، تُصبح، في ذلك الزمن الضنين، جوفاء خالية من المعاني التي انطوت عليها حين نشأت

وتكوّنت خلال القرن التاسع عشر. ولهذا لم يستفد منها العرب، ولم تُسدِ إلى الثقافة العربية المعاصرة

أيّ خدمة جليلة تُذكر. والراجح أن قصور الماركسية العربية راجع إلى أن العرب قرؤوا ماركس قراءةً

مجزأة، واعتمدوا على تأويلات جانبية وسطحية، ولم يمحّصوا المشروع الماركسي بدقة عالية وفي

صيغته الكاملة والمتكاملة، من غير اختزال أو تجزئة، فضلًا عن عدم تمييزهم بين مرحلتين حاسمتين في حياة صاحب الأيديولوجيا الألمانية: ماركس الشاب، وماركس الرجل.

1. تواشج الماركسية بالتأخر التاريخي

ارتبطت الماركسية، بوصفها أيديولوجيا، بإشكال التأخر التاريخي الذي استبدّ بألمانيا آنذاك، وسعى ماركس، الذي نظر إلى التاريخ على أنّه تاريخ "تخلف وتدارك لهذا التخلف"، إلى إيجاد الحل الأنسب لتجاوز هذه المحنة التاريخية. ويعود هذا التأخر إلى أنّ الذهنية الألمانية لم تستطع فتح أفق جديد والخروج من ظل النظام الاجتماعي السابق الذي ظهر تحت كنف الإمبراطورية الجرمانية؛ ومن ثم لم تعد هذه الذهنية المجتمعية قادرة على ابتداع أيديولوجيا جديدة تخالف السائد وتجافي ما انصرم ومضى. وهذا التأخر ليس بعيدًا من الواقع المعيش، بل يُستجلى من المظاهر اليومية التي

يصادفها المرء في الفضاء العام، وفي الإدارة، وفي مكان العمل... إلخ، ولا يحتاج إدراكه إلى عاِلم جدل أو باحث جهبذ يقدم إحصاءات اقتصادية دقيقة، مثلًا. وأجلّ مثال على ذلك ألمانيا التي نخرها التراجع والانكفاء، واستشعر مثقفوها حدة هذا التراجع؛ إذ كان هذا الاستشعار نابعًا مما ينضح به واقعهم اليومي، وقد تلخصت تجربة هذا التأخر، من باب التمثيل، في احتداد بؤس المثقف الذي تمظهر في تراجيديا هولدرلين Hölderlin (1843–1770)، ثم في الاعتراف بهذا التأخر، وهو وجه من أوجه الاختلاف مع مثقفي دنيا العرب الذين وجدوا صعوبة في تقبّل تخلفهم والاعتراف به. وقد

رفض المثقفون الألمان، وكان ماركس، شبيه مثقف العالم الثالث آنذاك، واحدًا منهم، فكرةَ تقسيم العالم الإنساني إلى عالمين: عالم تاريخي، وعالم يُنبذ بعيدًا من التاريخ. اهتم العروي بالعودة إلى الظروف التاريخية التي أسهمت في نشوء الماركسية، وفحص الغايات التي قامت من أجلها، وتشريح التحولات التي طرأت عليها لاحقًا، إلى أن أضحت فكرًا كونيًا غزا

مختلف الأقطار. وتقصّد من خلال ذلك إزاحة اللبس الذي لفّها، والتحوير الذي مسّها في العالم

العربي، إضافة إلى سعيه إلى معرفة "المكان الذي تشغله الماركسية بصفتها مرحلة متميزة من مراحل الفكر الغربي في مسيرة الأيديولوجيا العربية المعاصرة". كما سعى إلى تبيان التفاعلات النقدية التي لقيتها هذه الماركسية من التيارات الثلاثة التي حكمت الأيديولوجيا العربية المعاصرة: الشيخ

(3((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص  185، ص؛ العروي، الفلسفة والتاريخ.127 (3((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.180 ((3(ينظر: المرجع نفسه، ص.175–151 (3((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.169

والليبرالي والتقني، والتي كانت، من وجهة نظره، مجرد تفاعلات واعتراضات "تافهة". وفي هذا المضمار، ارتأى الكشف عن الماركسية الأنسب للعالم العربي بعدما تبلورت ماركسيات عديدة، من قبيل الماركسية الليبرالية مع الاقتصاديين، أمثال تشارلز بتلهايم Charles Bettelheim (2006–1913)، والماركسية المنهجية مع رائدها لوي ألتوسير (1990–1918)، والماركسية العقدية مع الصينيين، ثم الماركسية العلمية مع جورج لابيكا Georges Labica (2009–1930)، التي رفضت موقف العروي من الماركسية بعد اعترافه بأن المجتمع المتخلف، حين يتجاوز محنته التاريخية ويرتشف من الفكر الحديث، فإن الماركسية "تفقد جاذبيتها"، وأخيرًا الماركسية الإنسية مع أنطونيو غرامشي

.)1937–1891(Antonio Gramsci

لقد استخلص العروي، منذ كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة، من تجربة الشيخ والليبرالي وداعية التصنيع، أنهم راموا نقد الماركسية وتقويضها ومحاولة عرقلتها بدعوى أنها لا تناسب الذهنية العربية. ومن ناحية أخرى، بقيت هذه الماركسية، في أذهان هؤلاء الثلاثة، لصيقةً بالصراع الطبقي والكفاح والنضال السياسي؛ لذا أخذوا هذا المفهوم "لأغراض سجالية" صرف، متناسين أن مفهوم الطبقة كان معروفًا وذائعًا في الزمن القروسطي، وأن ما جاء به ماركس ليس اختلاقًا لمفهوم الطبقة، وإنما تكمن جدّته في إثبات أن مفهوم الطبقة لا يبقى في الوضع والشكل نفسيهما، بل يخضع لتغيرات وتبدلات ظرفية وسياقية متعددة. وقد جعل ذلك الفكر الإصلاحي العربي خلال القرن التاسع عشر يتخذ صبغة دينية، ثم اتشح خلال القرن العشرين بوشاح سياسي، غير أن هذا الفكر

((3(المرجع نفسه، ص.176 ((3(المرجع نفسه، ص.16 (3((للاستزادة في هذه المسألة: ينظر: العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.200 ((3(يؤكد العروي بصريح العبارة أنّ لفظ "الطبقة" كان فاشيًا ومنتشرًا في صفوف الناس خلال الأزمنة الوسيطة (العهد الوسيط)،

ومن ثمّ، لم تكن الماركسية هي النظرية التي كانت وراء اجتراح "مفهوم الطبقة"، إنما الجديد الذي حملته هو أنها تغيّت "إثبات وجود

الطبقات". ينظر: العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.181 ((3(المرجع نفسه. ((3(إن الانكفاء والانحطاط اللذين مسّا مناحي الحياة كلها في مصر آنذاك، من اجتماع وسياسة وثقافة، قد حملا محمد عبده،

بوصفه نموذجًا مائزًا للشيخ السلفي في الثقافة العربية المعاصرة، على صوغ مشروع إصلاحي يبتغي من خلاله إحراز انبعاث

حضاري. وكان أسّ مشروعه أطروحة مؤداها أن سبب هذا الواقع المكتظ بالإعضالات، والذي بدّد الأمل في تجاوز هذه النكسة

الوجودية، هو الابتعاد عن الإسلام الأصيل المتجسد في النص القرآني والتجربة المحمدية، ثم في تجربة الخلفاء من بعده. وقد

خصص عبده فصولًا وأبوابًا ضافية من كتبه، مثل: رسالة التوحيد، والإسلام بين العلم والمدنية، وكتاباته الاجتماعية، مدافعًا عن هذه

الأطروحة، وساعيًا إلى إقناع القارئ بها. كما  ظل يذود عن أطروحة أخرى وثيقة الصلة بسابقتها، مدارها أن المسلمين عاقروا التخلف

ولفّهم الانحسار بسبب تقاعسهم عن الانغمار في متون "آثار السلف" والمتح منها. ومن ثم تشكّلت لديه قناعة مفادها أنه لا إقلاع

من دون القفول إلى "الإسلام الحقيقي" أو "الإسلام المعياري"، أو ما يسميه محمد عمارة "الحل الإسلامي". ونقرأ لعبده في هذا المضمار: "وما سندي فيما أقول إلا الكتاب والسنة القويمة وهدى الراشدين [...] لم يدع الإسلام أصلًا من أصول الفضائل إلا أتى

عليها، ولا أًّمًا من أمهات الصالحات إلا أحياها، فاستجمع الإنسان حرية الفكر واستقلال العقل". ينظر: علي أومليل، الإصلاحية

العربية والدولة الوطنية (بيروت: دار التنوير، 1985)، ص 13؛ محمد عمارة، المنهج الإصلاحي للإمام محمد عبده (الإسكندرية:

مكتبة الإسكندرية، 2005)، ص 117؛ محمد عبده، رسالة التوحيد، تحقيق محمد عمارة (القاهرة: دار الشروق، 1994)، ص 159–135. (مع بعض التصرّف)

الإصلاحي بقي، في الحقبتين معًا، سجين المدلولات الأخلاقية (الكادح خصم لكل من يملك آليات الإنتاج ويستغل الطبقة المسحوقة مثلًا). ولهذا كان مصير المشروع الإصلاحي العربي الاندحار والفشل؛ لأنه لم يستطع الانعتاق من أغلال الأخلاق والبنى التقليدية، ولم يتمكن الإصلاحيون العرب من التفكير بعين العقل ومنطق المصلحة بما يتماشى مع مقتضيات العصر، من دون استحضار هاجس الأخلاقيات. ولنأخذ، على سبيل التمثيل، نموذج داعية التصنيع المفتون بالتجربة الصناعية الغربية، والمؤمن إيمانًا قويًا بأن لا تقدّم من دون إحداث ثورة في التصنيع؛ فرفضه الماركسية رفض

غير مقنع، ما دام منهومًا بالعلم التجريبي الذي يمثل بداية التصنيع وتطور التقنية. كما أن حديثه عن

الصناعة والمهارة اليدوية، ودفاعه عن أن الإنسان كائن مبدع وصانع، يعني أن الإنسان يستطيع تطويع الطبيعة، لكنه لن يستطيع إحراز ذلك من دون عبور القنطرة الماركسية. وقد أكد العروي أن فشل هذه النماذج في الثقافة العربية المعاصرة، وقصور مشاريعها، نابعان من تمسّكها الأعمى بنماذج غربية

تقادمت وتجاوزها الغرب نفسه، في حين تبنّى الغربيون نماذج عصرية قادرة على مسايرة مجريات العصر وخدمة الواقع. يضاف إلى ذلك أن تحليلات هؤلاء الإصلاحيين كانت متجاوزة، ولا تنمّ

عن حصافة عالية أو دقة كافية في التعامل مع ما يمور به العالم الثالث، والعالم العربي تحديدًا. فبأيّ

معنى يعبّر التكنوقراطي (سلامة موسى) بحماسة زائدة عن تولعه وافتتانه بأوروبا لأن طقسها معتدل،

وجوّها في معظم الأحيان لطيف ومستظرف، في حين أهمل أن شغفه بالتقنية والتصنيع كان يمكن

أن يتطور ويغدو نظرية قائمة ومستقلة لو تمعّن، بالتروي المطلوب، في النظرية الماركسية، ومحّص

مراحل تكوّنها وتطورها، واستوعب خلاصاتها بوصفها ماركسية جوهرية لا ماركسية جديدة اختلقتها

سياقات معينة؟ ويعود هذا الزعم القائل إن الماركسية هي السبيل الموجز لإدراك النقص الذي دبّ

في الثقافة العربية المعاصرة، وإنها قادرة على إسعاف التكنوقراطي لتحقيق مطامحه، إلى عالميتها واستطاعتها أن "تستوعب التاريخ كله، وتبرز خصائص كل أمة، وترسم للجميع صورة المستقبل".

2. أيّ ماركسية تناسب الثقافة العربية المعاصرة؟

اقترح العروي على مثقف العالم الثالث أن يتشبع بالماركسية، بوصفها مذهبًا وأدلوجة، للخروج من هذه

النوائب والضوائق التي تراكمت على الكيانات المتخاذلة؛ لأن هذه الأدلوجة نشأت في سياق يتشاكل مع الظروف التي يعيشها مثقفو العالم الثالث جميعهم. كما استلهمت الماركسية روح التاريخانية؛ إذ إن الألمان، حين أدركوا النقص، أحيوا اللغة الألمانية القديمة، ونزعوا إلى قراءة كل ما يُلهب الوجدان

(4((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.182–181 ((4(اعتبر العروي داعية التقنية أو التصنيع، الذي يمثّله سلامة موسى في الثقافة العربية المعاصرة، "ليس رجل علم"، بل مجرد

رجل نظر إلى الآليات والأدوات التي توفرها المدنية الحديثة وتنضح بها، فشرع الافتتان بهذه الآليات يتسرب إلى أفلاك وجدانه. ومن هذا المنطلق فضّل العروي نعته ب "داعية التقنية". والفرق بين الداعية والمنخرط التام في العلم والتقنية بائن ولا يكاد يخفى.

ينظر: عبد الله العروي، بين الفلسفة والتاريخ، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2020)، ص.90 (4((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.173 ((4(المرجع نفسه، ص.175

من آداب وفنون، بيد أنهم اتبعوا، في الوقت نفسه، المسار الذي مرّت به الدول الأوروبية المتقدمة،

مثل فرنسا بوصفها ينبوعًا للفكر الثوري، وإنكلترا البلد الصناعي الصاعد. ومن ثم، فإن مثقفي العالم الثالث لا محيد لهم عن الخضوع للتجربة نفسها بعد إدراكهم التخلف والتأخر التاريخيَين، وعليهم أن

يعترفوا بذلك بجسارة، فضلًا عن ضرورة تمتّعهم بردّة فعل مماثلة لتلك التي أبداها ماركس والمثقفون الجرمانيون جميعهم. وبيّن العروي أن الماركسية عرفت ثلاث مراحل أساسية: أولًا، الماركسية

الاقتصادية التي يتمثل مطمحها الأساسي في الارتقاء بمعدل المحصول الزراعي والرفع من مردودية التجارة الخارجية، ويترتب على ذلك انكشاف نتائج إيجابية في حقل التصنيع والمكننة، ويتمخض عن ذلك كله مفهوم التشيؤ الناتج من الاقتصاد البضاعي. وثانيًا، الماركسية بوصفها أدلوجة اجتماعية. وثالثًا،

الماركسية بحسبانها وعيًا زائفًا، حيث يصير الفرد عبدًا لفكر مكرّس لخدمة نظرية معيّنة ومصلحة طبقة

محددة. إن المرور عبر هذه الماركسيات الثلاث يتيح للمثقف العربي إمكانية الوصول إلى الماركسية الموضوعية، الجامعة لروح الفكر الغربي الحديث، والتي تضمّ في كنفها الماركسية في صيغتها الاقتصادية

والاجتماعية، وأيضًا الماركسية بوصفها وعيًا خاطئًا أو زائفًا. كما أنها تختزل التجربة الأوروبية الحديثة

برمّتها وتلخّصها بإيجاز شديد، وهي إحدى النتائج التي قدّمها الفكر الأوروبي الحديث قبل الاتجاه إلى

تدشين حقبة ما بعد الحداثة. وتحاول هذه الماركسية الكشف عن أسباب التأخر وتقديم حلول لاستدراكه وتجاوزه. ومن ثم يتبيّن أن الماركسية الموضوعية ستؤدي دورًا جوهريًا في اكتساب العصرنة وتسرّب

التحديث إلى العقلية الجماعية العربية، ولا سيما أنها سليلة القرن التاسع عشر؛ أي إنها قريبة زمنيًا من

الراهن المعيش. كما اكتسبت صبغة كونية، وتكوّنت في ظروف مشابهة لظروف العالم الثالث، لذلك

بدت، في نظر العروي، أصلح للعرب من أيّ نظرية أخرى، لولا سوء فهمها، الناجم عن سوء تعريبها

والتعريف بها. ويضاف إلى ذلك اهتمامها بالفعل وتحويل ما يساور العقل إلى عمل واقعي ملموس، سواء لدى الفرد أو لدى مؤسسات الدولة، وهنا تكون البداية الفعلية لتحديث المجتمع وتعقّله. كما تؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل شيء غير منزّه عن النقد، كيفما كان وأينما كان. وتربطها بالتاريخانية (أدلوجة الدول المتأخرة) وشائج عميقة؛ لأن التاريخانية هي دواء التأخر من خلال النهل من التجارب المفلحة، والنظر إلى التاريخ بوصفه سيرة إيجابية من أجل الإنسان. وقد قامت الماركسية، في الأساس، على إيجاد حل لمعضلة التأخر، وأخذت بالمنهج التاريخاني في "شقّيه: الشق الأول هو المعرفي؛ أي معرفة أن هذا الحاضر ما هو إلا ما قبل تاريخ المستقبل، والشق الثاني هو العملي (وحدة التاريخ"). ولا ينبغي إغفال فكرة مفادها أن من اكتسب هذه الماركسية الموضوعية يستطيع التعرف إلى "اللامدرك؛ فالتأخر العربي غير مدرك، لكن إن وُجدت الماركسية الموضوعية يمكن إدراكه"، وبعد الإدراك يبدأ

((4(ينظر: المرجع نفسه، ص 181–180؛ العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.210 (4((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.186 (4((عبد الله العروي، خواطر الصباح: يوميات (1967–1973)، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص 21، شوهد في 2026/6/6، في: https://acr.ps/hBy2sNm ((4(العظمة، ص.77 (4((العروي، بين الفلسفة والتاريخ، ص.104

السعي إلى استدراكه وتجاوزه. وكيف يبسط العروي هذا المفهوم؟ نقرأ له في الأيديولوجيا العربية المعاصرة: "هي عصارة التاريخ الغربي الحديث [...] هي ماركسية عامة تتفتح وتزدهر بكيفية متزامنة في أفئدة آلاف الأفراد، تحل محل مذاهب سابقة، لكن تبدو كخلاصة شاملة ومتوجة لها [...] تبقى وفية لمتطلبات كل رؤية جزئية انتشرت في المجتمع العربي".

ثالثًا: لماذا ترجم العروي مؤلّفات فلسفية إلى اللغة العربية: "تأملات في تاريخ الرومان" مثالا؟

تحظى عملية التعريب بإكبار ظاهر عند العروي، نظرًا إلى الخدمات الجليلة التي أسدتها إلى زمرة من الأمم. ويتبدّى هذا الإكبار في تقريعه مترجم الأيديولوجيا العربية المعاصرة محمد عيتاني في عام 1970، قبل أن يهمّ العروي نفسه بإعادة صياغة الكتاب في عام 1995، متقصدًا مشاطرة المتلقي العربي نصًا "مفهومًا ومتجانسًا". ويرى العروي أن هذه العملية التي تمد الجسور بين مختلف الأقطار هي من "أم المسائل" التي في مكنتها الإسهام في إحراز "تحديث العقل العربي " وتجاوز محنة التعثر الثقافي. وهذا التجاوز المأمول، في تقديره، لن يُلحظ واقعيًا إلا من خلال توافر "مادة" ثرية ومتنوعة وشاملة، وتشكّل النصوص المترجمة جزءًا كبيرًا منها، ولا سيما عبر نقل النصوص العربية إلى اللغات الحية للأمم الرائدة للتعريف بثقافتنا وإنتاجاتنا وتعميم مسارات فكرنا، كما ينبغي أن يحصل الأمر نفسه من خلال نقل نصوص أجنبية إلى اللغة العربية. ونقرأ له، في سياق نقده مشروع الاستغراب الذي عدّه انفع لًا سلبيًا تجاه الكتابات الاستشراقية: "من يتشدق بتأسيس علم الاستغراب يواجه به استشراق الغرب، إنما يستجهل القراء، فما عليه إلا أن يقوم بتجربة في غاية البساطة. ليختر اثني عشر مؤَّلَفًا يعتبرها أهم ما أنتجه الفكر العربي عبر القرون، ثم ينظر ماذا تُرجم منها إلى اللغات الغربية الحديثة، وعلى أيّ مستوى من الدقة، وكم مرة، ثم ليفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى الثقافة الغربية، وأخيرًا ليقارن بين الحالتين". وكان العروي، المتبرم من الترجمات الشنيعة والمسيخة التي غمرت الثقافة العربية، قد انتهى، بعد المقارنة بين حالنا وحال نظرائنا في ميدان الترجمة،

(4((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.181–176 ((5(المرجع نفسه، ص.14 ((5(المرجع نفسه، ص.10 ((5(المرجع نفسه، ص.11 ((5(المرجع نفسه. ((5(يُرجع العروي سبب تدهور الترجمات العربية في الأزمنة المعاصرة إلى عدم استحضار الفرق الجوهري بين المعِّرِب أو

المترجم والقارئ؛ فالأول دأبه، وهو المسلك الأصوب، الانطلاق من "المفهوم"، ثم الانتقال إلى استكشاف "المعنى"، قبل الوصول إلى "اللفظ". ومن ثم يكون الوقوف عند اللفظ غايته إدراك المعنى؛ فإذا أدركه غدا من اليسير إيجاد لفظ مناسب يقابله في اللغة المنقول إليها. أما القارئ، فيستبدّ به همّ القبض على اللفظ أولًا، ثم إدراك المعنى لاحقًا. ينظر: عبد الله العروي، "ترجمة الألفاظ

وترجمة المفاهيم: العلمانية نموذجًا"، علامات (المغرب)، العدد  37 (كانون الثاني/ يناير 2012)، ص 4–3، شوهد في 2026/6/6،

في: https://acr.ps/hBy2t3X

إلى خلاصة مفادها عدم التكافؤ بين النصوص العربية المتاحة للمثقف الغربي بلغته، وما هو متاح للأنتلجنسيا العربية من النصوص الغربية باللغة القومية. ويعود هذا الضعف إلى أن حركة النقل والترجمة لدى العرب تراجعت وشاخت بعد توقّف مشروع المأمون، الذي كان واعدًا وحقق مكاسب عديدة أفادت الثقافة العربية الإسلامية، بيد أن تقاعس الأجيال اللاحقة قوّض هذه المكاسب. أما في الضفة الأخرى، فإن "حركة النقل توالت عند الأوروبيين المحدثين ولم تتوقف إلى يومنا هذا. كل جيل يعيد النظر فيما تركه السابق". لم يُخفِ رائد "النقد الأيديولوجي" افتتانه الواضح بمونتسكيو؛ أولًا لأنه يمثل روح القرن الثامن عشر، أحب القرون إلى وجدان العروي، فهو عصر "التفتح والتنوير والثقة في الإنسان "، وثانيًا لما امتاز

به من خصائص عززت مكانته عنده: "كان متحرر الفكر [...] متنوع التجربة [...] كان معينًا ارتوى منه فقهاء القانون، ومؤسسو علم الاجتماع، ودعاة الليبرالية السياسية، ومدافعًا عن الحرية في وجه الاستبداد". وانبرى العروي لترجمة – تعريب نص الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو تأّملّات في تاريخ الرومان، متوخيًا حذرًا شديدًا نظرًا إلى كلاسيكية أسلوبه وبلاغته وروعة بيانه. ومما زاد من

منسوب التعقيد في أسلوبه أنه ما فتئ ينزع إلى الإيماء والترميز والإلغاز، ومن ثم تحيّر العروي في

المسلك الذي سيسلكه في تعريب هذا النص: "هل نجنح إلى التعقيد تحقيقًا لأغراض المؤلف، أم إلى التبسيط رفقًا بالقارئ؟". وقد سار في درب الاعتدال؛ مبتعدًا عن التبسيط مخافة التشويه والابتذال، ومتجنبًا الوقوع في مصيدة التعقيد وتنفير المتلقي. ومن ثم ارتأى أحيانًا تعريب المفاهيم،

مثل: مملكة الروم، ومحتسب... إلخ، وبقي وفيًا، أحيانًا أخرى، لأسلوب المؤلف على الرغم من

احتشائه بالتناثر والتفكك؛ لأن هذا النص، في النهاية، نص مترجم "مكتوب بعقلية غير عادية "، ولا بد من استحضار هذه المسألة في أثناء مطالعته. وقد نشد مونتسكيو في مؤَّلَفه إمعان النظر المتروي في تاريخ الرومان، من دون أن تهيمن عليه الرغبة في تدقيق التاريخ أو تمحيص الأخبار، وإنما تعدّى ذلك مبتغيًا استقراء الدروس من تجربة الرومان واستنباط العثرات التي عجّلت بانحلال إمبراطورية

كان اللمعان مرادفًا لها. وقد استولى عليه هذا المبتغى لأنه يؤمن بأن التاريخ، أي الماضي، لا ينفصل

(5((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.11 ((5(المرجع نفسه، ص.13–12 ((5(المرجع نفسه، ص.42 (5((عبد الله العروي، "عوائق التحديث"، مدارات (المغرب)، العدد  14 (تموز/ يوليو 2006)، ص 236، شوهد في 2026/6/6، في:

https://acr.ps/hBy2sgu

((5(مونتسكيو، ص 7. (مع بعض التصرف) ((6(المرجع نفسه، ص.17 ((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه، ص.8

عن الحاضر والمستقبل، شأنه في ذلك شأن المؤرخ المحترف الذي ينشد الحرية عبر التأليف التاريخي، ويروي الحادثة، سواء أكانت رزيئة أم هناءة، بكل موضوعية، من دون أن يتدخل فيها. ثم إنه، حين ينتهي من روايتها وتأريخها، ينزع إلى فحصها بعناية والتأكد من حدوثها فعلًا، ويدرس مدى تأثيرها في المجتمع، وهذا يندرج ضمن قوانين التطور. والغاية الأسمى من ذلك أن يمتح الجيل اللاحق من هذه المرويات التاريخية، فيأخذ منها العبرة إذا كانت ضائقة، ويغتبط بقراءتها إذا كانت تحولًا مبهجًا. وحاصل القول، إن المؤرخ المحترف، على حد تعبير العروي، مؤرخ ينطلق

من الماضي لخدمة الحاضر، وطامع في ازدهار المستقبل وانتعاشه؛ لأن هذا الحاضر "لا يفسر ولا يعلل إلا بذاك الماضي الحامل لإيجابية الأحداث التي وقعت فيه، والتي تسيّر هذا الحاضر".

أما المؤرخ الإخباري فينطلق من الماضي لخدمة الماضي نفسه، الذي يغدو خصمًا مناوئًا للحاضر

والمستقبل معًا؛ لأنه يبقى منساقًا وخاضعًا لسطوة "العقيدة – الأدلوجة الدينية" التي تتحكم في آرائه وسرده. ويؤكد هذا التباين بين المؤرخين التعريف الذي خصّ به العروي مفهوم التاريخ حين

عرّفه بأنه "الكيفية التي تسرد بها الوقائع". ومن هنا، يمكن استنباط أن قيمة التاريخ لا تتجلى إلا من

خلال الطريقة المتّبعة في رواية الحدث وتفسيره وتحليله ونقده، والسعي إلى استخلاص العبر النافعة الكامنة فيه؛ لأن أمةً ما قد تعيش داهية عصيبة وملمة عاصفة تبدو قاتمة في مجملها، بيد أن المتأمل فيها قد يجد ما ينفعه لتجاوز محنة شبيهة بها في قادم الأيام؛ لأن الغوائل لا تنتهي، والبوائق الإنسانية لا حد لها. وقد أقر لفيف من الباحثين بأن التدوين الخبري الذي طغى على الكتابة التاريخية في الثقافة العربية الإسلامية جعلها متأخرة، مقارنة بالكتابات الغربية الأكثر وعيًا بالعملية التأريخية، كما عرقل

الخبر وصول المسلمين إلى تاريخ يكون بالغ التوحيد والانسجام. وأكد العروي، في حواره مع مالك التريكي، أن أول ما يتعلمه الأمير أو الملك هو التاريخ؛ لأنه يزوده بالعبر التي ينهل منها الحكم، ويجد فيها الهفوات التي وقع فيها الأسلاف حتى يتلافى الانزلاق فيها وتكرار الخطأ نفسه. كما يتيح له الفكر التاريخي الغوص في تجارب الأمم ومعرفة أحوالها وقتذاك،

(64) Abdallah Laroui, Islam et Histoire (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 2009), p. 96.

إن المؤرخ المحترف، عند العروي، هو المالك مفاتيح التاريخانية بوصفها "الفلسفة الساذجة" لهذا المؤرخ، وهي التي تمكّنه من

ممارسة التاريخ النقدي. وتحوّل هذه الممارسة التاريخ من مجرد إخبار وسرد شفوي، من غير نقد أو تحليل أو تأويل، إلى تاريخ

فاعل في الحاضر ومؤثّر فيه. فالمؤرخ التقليدي يعتمد، خلافًا للمؤرخ المحترف، على عبارة افتتاحية تُعدّ من أكثر العبارات شيوعًا

في الكتابات الإخبارية: "اعلم أن"، في حين ينطلق المؤرخ المحترف من سؤال مؤسس: "كيف أن؟". عبد الله العروي، مفهوم

التاريخ، الجزء الأول: الألفاظ والمذاهب، ط  4 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 24، شوهد في 2026/6/6،

في: https://acr.ps/hBy2sx5 (65) Laroui, Islam et Histoire , p. 96.

(6((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.91

(67) Laroui, Islam et Histoire , p. 127.

(6((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.77 ((6(تكتفي الدراسة بالإحالة إلى التحليلات التي قدّمها رضوان سليم للتأليف الخبَري في الإسلام؛ حيث استخلص أنّه كان عائقًا

حقيقيًا أمام الكتابة التاريخية في بلاد العرب. ينظر: رضوان سليم، نظام الزمان العربي: دراسة في التاريخيات العربية – الإسلامية

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص.32

فضلًا عن التعرف إلى قوانين التطور والمراحل التي عرفتها الدولة الآفلة. فكيف كان ميكيافيلي (1527–1469) سيعرف ماضي روما لولا التاريخ؟ وكيف كان سيتعرف إلى أحوالها وتقلباتها؟ وهل كان سيساوره حلم بعثها مجددًا لو لم يطّلع على التاريخ المدوّن؟ وهل كان سيحاول التنظير

لهشاشة إيطاليا المختلة في عصره، معتمدًا على تجارب أمم عرفت كيف تتجاوز تأخرها وتتخطى بداية نكوصها، لولا التاريخ؟ وهذه هي روح التاريخانية التي انبلجت، بصورة مضمرة، خلال عصر النهضة، ومسّت مجالَي الاقتصاد والسياسة إلى أن صارت، بعد القرن التاسع عشر، الأدلوجة التي

يعتنقها كل بلد يعاني التأخر. غير أن الشرط الأساسي لهذا الاعتناق هو الوعي بالتأخر والإقرار به والقيام بردّة فعل إيجابية تجاهه، مثلما فعل ماركس في أيديولوجيته حين أقر بوجود مشكلات عديدة، أخذت تنثال على ألمانيا، مربكةً إياها ومحدثةً رضوضًا وجدانية عميقة، وشرعت تستنزفها، من دون أن ينكرها، كما فعل مثقفو العالم العربي؛ إذ راحوا، بدلًا من الاعتراف بها، "يبحثون ويترددون"، على الرغم من أن النموذج الأمثل والتجربة الناضجة والناجحة أمامهم، و"متاحة" لهم دائمًا بعدما  ظفرت بسمة "الكونية" والشمول. وتتبدى أهمية الغور في التاريخ في كتاب مونتسكيو

حين نقّب في وقائعه مبتغيًا تقصّي عوامل لمعان روما، التي كانت جمهورية قوية بفضل جيشها من

المواطنين، وكانت سلطتها مجزأة إلى خطط إدارية بغرض إحراز التكافؤ، "وتطبق القانون من باب الشغف به". وقارنها بدول الشرق، مثل قرطاج، مشيرًا إلى أن عوامل البزوغ واحدة، وفي إمكان أيّ

أمة ترغب في الانتهاض أن تقتدي بها. كما يبيّن أن الشعب الروماني قضى زمنًا غير يسير قبل الوصول

إلى الرفاهية التي تفضي إلى الانحلال التدريجي، في حين حظي أهل قرطاج بذلك قبل روما، فكانوا السبّاقين إلى التداعي. يضاف إلى ذلك أن روما هيمنت عليها الأخلاق التقليدية، فكانت الحظوظ بين

الناس متساوية، وحين تندلع الحرب تتوحد مصالح الجميع، كما دأب الشعب الروماني على الرضا بتسيير الشيوخ شؤونه لأن العزة كانت هدفه دائمًا، في حين كان الهوى مسيطرًا على شعب قرطاج،

وكانت الرغبة في الكسب هي الغالبة.

1. لماذا اختار العروي مونتسكيو تحديدًا؟

يتعامل العروي مع المفاهيم (الأيديولوجيا، والحرية، والعقل، والتاريخ، والدولة) على نحو فريد، ويتمثل ذلك في خلق سجال حاد بين المفهوم في التراث العربي الإسلامي والمفهوم كما تبنّته البيئة الأوروبية الحديثة. ويعود هذا السجال إلى تشبّثه القوي بمنهج المقارنة؛ لأنه ييسّر له الملاحظة

والتحليل والاستنتاج. وما يزكّي هذا الطرح ما كتبه في مقدمة ترجمته لكتاب مونتسكيو حين عقد

(70) Abdallah Laroui, Islam et modernité (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 2009), p. 123.

(7((العروي، خواطر الصباح، ص.21 (7((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.74 ((7(المرجع نفسه، ص.73 ((7(مونتسكيو، ص.101 ((7(المرجع نفسه، ص.44–42

مقارنة بالغة الأهمية بين منهج ابن خلدون (1406–1332) ومونتسكيو وغايات كل منهما: تمحيص الأخبار، والمقارنة بين العرب والبربر، والاتكاء على التاريخ القديم عند ابن خلدون، في مقابل المقارنة بين الأنظمة السياسية والعقائد، واستخلاص العبر من الحضارة الرومانية في أوج توهجها لتشييد دولة حديثة تقوم على حكم مدني يتطلع إلى تحقيق الخير الذي ينتفع منه الأفراد جميعهم عند مونتسكيو. كما لاحظ أن كتابات مونتسكيو تنفرد بغزارة مصادرها وأصالتها، وأنه ينكبّ على مطالعة ما دبّجه الأقدمون من دون أن يهمل إضافات المحدثين، في حين لم يخرج ابن خلدون من دائرة الكتابات التي اعتنت بالتاريخ القديم. وقد كتب العروي مبررًا غايته من المقارنة بين هذين العَلمين: "إن منهاج المقارنة هو أساس العلوم الاجتماعية كلها، من سياسة وتاريخ وأنثروبولوجيا". قد يخامر القارئ سؤال مفاده: لماذا اختار العروي مونتسكيو تحديدًا، في حين أن الثقافة الأوروبية تحفل بأسماء عديدة يصعب حصرها؟ والجواب نجده على لسان العروي في لقاء مرئي صُِّوِر معه قبل عقدين من الزمن، إذ قال: "يرتكز إصلاح المجتمع على: الإصلاح الديني، والإصلاح السياسي عبر القطع مع النظام العثماني، ومع القيم الاستبدادية، والإيمان الكلي بالعلم التجريبي". والظاهر هنا أن الإصلاح السياسي يقتضي القطع مع مظاهر الاستبداد ومداميكه، بوصفه نظامًا يهضم الحقوق، ولا يرعى مصالح المواطنين، وينفي حقوقهم؛ ومن ثم يُعدّ من أبشع النظم السياسية، لكونه يعتمد على فرد واحد. لذلك نعت العروي الدولة المستبدة بأنها "دولة الواحد، حيث ينفرد فيها فرد واحد بالسلطة". ومن الخصائص التي تطبع المستبد: الخوف، والعدوانية، والتهجم، والإسراف في الاضطهاد. ونلحظ أن مونتسكيو، بوصفه مدافعًا عن "الحرية في وجه الاستبداد"، كان قد وصف، قبل العروي نفسه، هذا النهج السياسي الذي "يستهدف إشباع الشهوة" فحسب، بأنه النظام الوحيد الذي يحظى فيه رجل واحد بالريادة، ويكون "أس كل شيء؛ إذ يهتدي دائمًا إلى حواسه الخمس التي توهمه بأنه نواة كل شيء في دولته. يتصف المستبد بثلاث سمات: خمول وكسل، وجهل بطبعه، وانقياد إلى شهواته وخضوع لها". وهذه الخواص شين بائن يتكرّهه كل من حظي بقليل من التعقل السياسي، لكن المستبد يستحبها لأن "الطاعة العمياء تجعله يشعر بالثقة الكاملة"، وهو ما يمنحه تزكية لأفعاله وتصرفاته وما يقره من قوانين. ولا غرو أن تعاكس الدولة المستبدة نظيرتها الجمهورية

((7(المرجع نفسه، ص.15 ((7(المرجع نفسه، ص.11 ((7(ينظر: التريكي. (7((العروي، من ديوان السياسة، ص.13 ((8(مونتسكيو، ص.7 ((8(المرجع نفسه، ص.12

(82) Montesquieu, De l’esprit des lois (Paris: Éditions Gallimard, 1995), p. 31.

(8((جون ستيوارت ميل، الحرية، ترجمة طه السباعي (القاهرة: مطبعة الشعب، 1922)، ص 49، شوهد في 2026/6/6، في:

https://acr.ps/hBy2sNG

التي تعدّ، في نظر مجترح فكرة فصل السلطات، "دولة الأحرار". والحال أن مونتسكيو يُعدّ من

ألمع من شرحوا مداميك الاستبداد واستبشعوه، وأبانوا عن السمات المستقبحة التي ينطوي عليها هذا النظام، وهو سبب أساسي يتقاطع فيه العروي مع مونتسكيو. لذلك عاد إلى هذا النص ونقله إلى العربية، وكأنه ينبّه من خلاله إلى أن عقابيل الاستبداد تتمثل في انحلال الدولة تدريجيًا قبل أفولها

النهائي، وقبل ذلك في بقاء الفرد في صراع بين التجلي والإضمار مع الحاكم الذي لا يفتر عن تقوية وسائل اضطهاده وجوره؛ الأمر الذي يعجل بتخاذل الدولة وتراجعها، لأن شروط النهضة لا تكتمل إلا حين تكون يد المواطن في يد الفاعل السياسي.

2. ابن خلدون في مواجهة مونتسكيو

يظهر من خلال مؤلفات العروي أنه، في أثناء حديثه عن المعضلات التي أنهكت الثقافة العربية المعاصرة، ينطلق مما هو محلي؛ أي من المغرب، ليشتبك مع ما هو قُطري وعربي؛ لأن المغرب، في نظره، نموذج مصغر للمشكلات التي تعانيها المجتمعات العربية برمّتها، مع اختلاف بعض التفاصيل

الجزئية. فالديمقراطية حلم مغتال في دنيا العرب بأكملها، والمرأة غير متحررة في الكيانات العربية كلها، وغياب العقل الفعلي يسم هذه الدول جميعًا... إلخ. ومن ثم، يمكن القول إن ثمة أزمات مشتركة ذات طابع عام تقتضي الانطلاق مما هو ملاحظ في الواقع المحلي والسير صوب الواقع العربي لتفكيكها وتحليلها وتوضيحها، ثم تقديم الحلول الناجعة لتجاوزها. وقد تطرّق العروي أكثر

من مرة إلى أزمة تفشّت في دنيا العرب وزادت من عمق التأخر، وهي انتفاء النشاط اليدوي الإنتاجي (الذهنية الإنتاجية) من العقلية الجماعية، في حين انتصرت، في المقابل، ثقافة الأذن واللسان، أو ما يصطلح عليه ب "الذهنية الاستهلاكية" الميالة إلى إحياء الذكريات والاحتفاء بالمناسبات والأعياد، والاتجاه نحو الخمول والكسل، والاستناد إلى القول فحسب في انتظار الإعانة المتعالية المفارقة للواقع في كل مشكلة يصادفها الإنسان العربي. ولتوضيح هذا الأمر، يمكن استحضار التمييز الذي أقامه العروي بين مونتسكيو وابن خلدون. ففي حين كان صاحب روح القوانينيتوق إلى إحياء الدولة الرومانية، منطلقًا من مقاربة تتسم بالعقلانية واستحضار الواقع، ومحللًا تاريخها ودارسًا أسباب

انحلالها، كان ابن خلدون، إذا ابتغى الإحياء، "يعتقد اعتقادًا راسخًا أن دعوته لا تتحقق إلا بإلهام صادق، إلا بتدخل مالك الكون في مسار الكون". غير أن الملاحظ هنا أن العروي عقد مقارنة بين مونتسكيو الذي عاصر الحداثة السياسية وتفشي ثقافة العقل الفعلي، وابن خلدون الذي سُيّج تفكيره بالتأويل الفقهي، ولم تكن له القدرة على

تجاوز الموضوعات المحظورة التي كان الفقهاء ينبَرون لكل من يقترب منها ويفتي فيها، فيجد نفسه

((8(مونتسكيو، ص.42 (8((عبد الله العروي، مفهوم العقل، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص 354، شوهد في 2026/6/6،

في: https://acr.ps/hBy2t4h

((8(الظاهر أنّ العروي يستحلي دائمًا المقارنة بين هذين العلَمين اللامعين في السياسة والتاريخ، وهذا يتأكد لنا حينما نطالع

ما كتبه عنهما في مفهوم العقلعلى غرار ما ورد في المقدمة التي دَّبَجها لترجمته كتاب مونتسكيو تأّملّات في تاريخ الرومان.

منبوذًا وخارجًا على الملة. كما أن الدولة التي عاش في كنفها، وحاكمها، لم يكونا يتمتعان بقدر

كافٍ من تمثّل معنى القانون ومراعاة المواطن واحتوائه، فضلًا عن انعدام الحرية؛ ومن ثم أسهمت هذه العوامل جميعها في تكوّن الفكر الخلدوني وانتظاره للإعانة الخارجية. وإذا كان العروي قد أهمل هذه العوامل المتباينة، أو غفل عنها، فهل تستقيم هذه المقارنة التي لم يستحضر فيها سياق المفكرين والمناخ الذي عاصره كل واحد منهما؟ والراجح أن تعلّق العروي بالطريق التي سلكها مونتسكيو في التأمل والتحليل الواقعيَين، واتباعه منهج المقارنة، ف "لب منهج مونتسكيو المقابلة

والموازنة"، بين الحضارة الأوروبية ونظيرتها الشرقية، وأحيانًا بين النظامين الفرنسي والإنكليزي، أو بين المسيحية الرومانية والمسيحية البيزنطية، وتارة بين الحكم المدني والاستبداد... إلخ، إضافة إلى تقفّيه منهج المؤرخ الحديث الذي ينكبّ على ملاحظة وقائع التاريخ وتحليلها بعمق قصد

"استخلاص العبر" لخدمة الواقع؛ جعله كل ذلك يتناسى العوامل التي ميزت واقع مونتسكيو من واقع ابن خلدون الذي كان مهووسًا، في تقديره، ب "تمحيص الأخبار والمقارنة بين سكان الأرياف والمداشر والمنتسبين إلى الأمصار، والمقارنة بين العرب والبرابر والفرس والترك، ليخلص إلى نظرية: العمران المدني والبدوي" فحسب. وربما لأن مونتسكيو، عنده، خير من يمثّل عقلية القرن الثامن عشر؛ لكونه جمع بين الأديب المتذوق والمحلل الدقيق والمفكك الحصيف للتقاليد السياسية الإنكليزية غير المكتوبة، وانفرد أيضًا بفهم نوعي للتاريخ؛ إذ إن كل دولة عرفها التاريخ قد تكونت وتشكلت "لأسباب موضوعية، مادية وتنظيمية وخلقية، ثم تنحطّ وتنهار للأسباب نفسها: التشريع، والتربية، وتدبير المعاش، ورسم الضرائب". جماع القول إن البيئة السوسيوسياسية والمنظومة الفكرية السائدة أثّرتا بوضوح في كتابات ابن خلدون؛ ولذلك كان ينبش الوقائع والأحداث التاريخية ويحللها ويمحّصها، ويتأمل القضايا المتصلة بالعمران، ويستنبط ويستنتج، لكنه ظل يعتقد أن فوق عقله عقلًا مطلقًا يتدخل فيه، وهو العقل الوحيد القادر على المبادرة والتنفيذ ونقل ما يساور الخلد إلى الواقع. كما أن التأويل الفقهي المعقد حدّ من المبادرة في التفكير وجعل التأويل محظورًا؛ لذلك لم يتمتع ابن خلدون بالقدرة والجرأة على الخروج على هذه النواميس. ونجد تأكيدًا لهذا الطرح عند العروي حين كتب عن العامل الجوهري الذي جعل ابن خلدون محدودًا وممثّلًا بارزًا للعقل الاسمي (النظري)؛ إذ إن العقل لا يحضر عنده إلا بوصفه "لفظًا أو كلمة"، لا باعتباره أداة فعل وتأمل وعمل وتدبير ومحركًا للمبادرة الحرة والمهارة اليدوية المنتجة. والكلمة واللفظ هنا دلالتان بائنتان على حضور عقل النظر المتكئ على اللفظ والعبارة، من دون القدرة على تجاوزهما إلى الفعل المؤثر. وبذلك يصير العقل، في تصور ابن خلدون ومن جايلوه، منحصرًا في مسألة واحدة، هي أنه "يحاصر

((8(مونتسكيو، ص 10–9،.12 ((8(المرجع نفسه، ص 12–11. (مع بعض التصرف) ((8(المرجع نفسه، ص.7 ((9(المرجع نفسه، ص.15–13 ((9(المرجع نفسه، ص.347

الوهم وينفيه عن النشاط البشري الجدي". وكيف يمكن أن يصل المرء إلى نشاط حر وفعال ينفع الواقع ويسهم في حل مشكلاته من دون الاتكاء على العقل؟ لقد بقي العقل عند ابن خلدون حبيس خانة النظر، ويتجلى ذلك في أنه لم يخرج عن الدرب الذي سلكه باقي أعلام التراث؛ إذ ظل في ترقب دائم وتلهّف مستمر ل "المقدرة الإلهية" لإنجاز ما يخامره، وهو الذي تجرّع حفنة من "الإخفاقات

الذاتية" أثّرت بوضوح في تحليلاته السياسية، وفي فهم الكسب وتفسير أسباب الحرب ومراميها.

خاتمة

الراجح أن انكباب العروي على تفكيك منظومة الحداثة، وتحديدًا الحداثة الأوروبية "الموشومة"، ومعرفة نواتها ورحاها ومداميكها، هو ما دفعه إلى اجتراح سلسلة المفاهيم وكتابتها في صيغة تعليمية – بيداغوجية بغية دحر أيّ لبس أو غموض قد يلفّها؛ لأن الفهم الخاطئ للمفهوم يجعله

خارج الخدمة، وقد يزيد من عمق التأخر التاريخي الذي نخر العالم العربي ورمى به في وادٍ قفر بعيدًا عن صفوة الدنيا. وهذا ما حصل، على سبيل التمثيل، مع مفهوم الماركسية الموضوعية؛ إذ خندقها المفكرون العرب في قضايا النضال السياسي والكفاح الاجتماعي، في حين أن المفهوم أعمق من ذلك؛ فهو عبارة عن "ممارسة واقعية فعالة جعلته عصارة التاريخ الحديث". وقد نشأ في ظرفية حساسة كانت تمرّ بها ألمانيا المتأخرة خلال القرن التاسع عشر، وهي الظرفية التي كتب عنها ماركس

الشاب الأيديولوجيا الألمانية، محاولًا التصدي لكومة من الأزمات التي أحاطت بألمانيا وجعلتها بعيدة عن نظيراتها: فرنسا وإنكلترا وروسيا. وقد بيّن العروي جملة من العوامل التي أسعفت ماركس

والمثقفين الألمان في تجاوز كبوتهم التاريخية، وفي طليعتها: الوعي بالتأخر التاريخي، وتواؤم المثقف والسياسي وتوحيد الجهود، والقدرة على الابتدار والفعل، ومنح الأسبقية للأنتلجنسيا لتشخيص عطب التأخر وتحليله، وإحياء اللغة الألمانية العتيقة، والانكباب على الفنون والآداب التي لم يمسسها داء التراجع والركود، والاستفادة من تجارب الدول المجاورة الناجحة والمتقدمة. ويقتضي السياق هنا استحضار فكرة أن روح التاريخانية كانت حاضرة حضورًا جليًا؛ لأنها تتيح إمكان

الاقتباس من الأمم التي ازدهرت وتقدمت وبلغت مجدًا تاريخيًا مائزًا، اختصارًا للمسار المؤدي إلى

تجاوز نكبة التأخر التاريخي واللحاق بالركب المتقدم. وقد عبّر العروي عن روح التاريخانية بعبارتين

اتسمتا بالاقتصاد اللغوي والدقة الفلسفية: الأولى حين نعتها بأنها "التاريخ المستعاد"، والثانية حين عرّفها بأنها "أدلوجة البلدان المتأخرة".

((9(المرجع نفسه، ص.350 (9((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.54 ((9(العروي، "عوائق التحديث"، ص.238 (9((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.185–159 ((9(للاستزادة، ينظر: المرجع نفسه، ص.178–177 (9((العروي، بين الفلسفة والتاريخ، ص.111 (9((العروي، خواطر الصباح، ص.21

ويتولى العروي ترجمة – تعريب نص مونتسكيو لسببين: أولهما تبيان أن رجلًا سياسيًا يُعدّ أحد أكابر

التراث الليبرالي لا يفتر عن العودة إلى التاريخ ليستلهم إيجابياته ويوظّفها في الحاضر؛ لذلك تأمّل

تاريخ روما، محاولًا استجلاء الهفوات والعثرات، ومتخذًا، في الآن نفسه، من "تسجيل ملاحظات على هامش تاريخها المعروف للجميع"، سبيلًا للإبانة عن أسباب النبوغ والبزوغ، ثم العوامل التي أسهمت في أفول نجمها وانحلالها نهائيًا. وتلك إيماءة إلى روح التاريخانية التي كانت حاضرةً

قبله منذ عصر النهضة؛ فحين عقد الأوروبيون العزم على الفك مع العصر الوسيط وتدشين عهد الحداثة "أحيوا التراث اليوناني والروماني"، وهي الإمكانية التي تتيحها التاريخانية؛ أي النهل من تجارب الأمم المفلحة والاستفادة منها، فضلًا عن إمكان الاقتباس منها. والأمر نفسه حصل في عصر مونتسكيو؛ فلكي ينظّر للدولة سياسيًا عاد إلى التاريخ، مستفيدًا منه، وموظّفًا وقائعه توظيفًا إيجابيًا

في الواقع. أما السبب الثاني وراء هذا القفول صوب متن مونتسكيو فيتمثل في تطلّعه إلى عقد مقارنة بينه وبين ابن خلدون، باعتبارهما معًا انشغلا بالتاريخ، ونظّرا للسياسة، وكتبا عن أحوال بلديهما في

العصرين اللذين عاشا فيهما. غير أن هذه المقارنة قد تبدو، في نظر بعضهم، منطويةً على قدر من الحيف في حق ابن خلدون، ولا سيما أن واقعَي المؤرخين متباينان، فضلًا عن اختلاف السياق

التاريخي. وقد حاولت هذه الدراسة الوقوف عند هذه المسألة في مبحثها الثاني. ومن ثم ينكشف أن العروي تغيّا من خلال هذه المقارنة تبيان أن ابن خلدون، الذي يُعد أحد رموز الثقافة العربية الإسلامية

التي يتباهى بها حارس الماضي، يمثّل نموذجًا للعقل الاسمي؛ إذ بقي يكتب ويحلل وينظّر من دون

أن يطبّق ذلك واقعيًا (الأجرأة والتأثير)، لأنه يعتقد أن عقلًا مطلقًا فوق عقله هو القادر على التدخل؛

أي الإعانة الخارجية المتعالية. ويقابل ذلك مونتسكيو الذي عدّه العروي نموذجًا للعقل الفعلي الذي

ينتقل من النظر والقول إلى التطبيق والفعل الملموس، من دون انتظار أيّ تدخل كيفما كان. ويبرّر

العروي هذه المقارنة ويردّ على من قد يعدّها مجانبة للصواب بقوله: "لا يمكن معارضتنا بأننا نحكم

على ابن خلدون انطلاقًا مما جاء بعده، فنرتكب خطأ اللاكرونية [...] نقارن في الواقع بين ما فعله المفكر العربي وما فعله غيره من الغربيين بأمثلة الماضي السحيق".

المراجع References

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق عبد الواحد وافي. ط  7. الجيزة: دار نهضة مصر للنشر،

أومليل، علي. الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. بيروت: دار التنوير،.1985 الجابري، محمد عابد. إشكاليات الفكر العربي المعاصر. ط  2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1990

((9(مونتسكيو، ص.17 (10((العروي، نقد المفاهيم، ص.134 (10((العروي، مفهوم العقل، ص.351

________. الخطاب العربي المعاصر. ط  5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 دي مونترلان، هنري. شيخ الجماعة. ترجمة عبد الله العروي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2013 سبيلا، محمد. مدارات الحداثة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009 في:.

https://acr.ps/hBy2suP

سبينوزا، باروخ. مقالة في السياسة. ترجمة عبد الله العروي. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،

سليم، رضوان. نظام الزمان العربي: دراسة في التاريخيات العربية – الإسلامية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 سيف، أنطوان [وآخرون]. هكذا تكلّم عبد الله العروي. بيروت: منتدى المعارف، 2015. في:

https://acr.ps/hBy2t1H

عبده، محمد. رسالة التوحيد. تحقيق محمد عمارة. القاهرة: دار الشروق،.1994 العروي، عبد الله. أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية؟ ترجمة ذوقان قرقوط. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978:. في https://acr.ps/hBy2sLK ________. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995.

في: https://acr.ps/hBy2seS

________. مفهوم العقل. ط  2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997. في:

https://acr.ps/hBy2t4h

________. أوراق: سيرة إدريس الذهنية. ط  6. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2004

في: https://acr.ps/hBy2sv9

________. ثقافتنا في ضوء التاريخ. ط  6. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005. في:

https://acr.ps/hBy2t21

________. مفهوم التاريخ، الجزء الأول: الألفاظ والمذاهب. ط  4. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005:. في https://acr.ps/hBy2sx5 ________. "عوائق التحديث". مدارات (المغرب). العدد  14(تموز/ يوليو 2006 في:).

https://acr.ps/hBy2sgu

________. العرب والفكر التاريخي. ط  5. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006

في: https://acr.ps/hBy2t2l

________. خواطر الصباح: يوميات (1967–1973). ط  2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي

العربي، 2007:. في https://acr.ps/hBy2sNm

________. مفهوم الحرية. ط  4. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2008. في:

https://acr.ps/hBy2sdU

________. من ديوان السياسة. ط  2 بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.، 2010:. في

https://acr.ps/hBy2sey

________. "ترجمة الألفاظ وترجمة المفاهيم: العلمانية نموذجًا". علامات (المغرب). العدد 37

(كانون الثاني/ يناير 2012:). في https://acr.ps/hBy2t3X ________. نقد المفاهيم. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2018 ________. بين الفلسفة والتاريخ. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2020 ________. الفلسفة والتاريخ (صياغة جديدة). الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2023 العظمة، عزيز. "بين الماركسية الموضوعية وسقف التاريخ (مناقشة لفكر عبد الله العروي)". الكرمل (فلسطين). العدد 13 (تموز/ يوليو 1984:). في https://acr.ps/hBy2t1n عمارة، محمد. المنهج الإصلاحي للإمام محمد عبده. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية،.2005 الفاسي، علال [وآخرون]. محاورة فكر عبد الله العروي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2000 مونتسكيو. تأّملّات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط. نقله من الفرنسية إلى العربية عبد الله العروي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2011:. في https://acr.ps/hBy2sdA ميل، جون ستيوارت.  الحرية. ترجمة طه السباعي. القاهرة: مطبعة الشعب، 1922 في:.

https://acr.ps/hBy2sNG

الأجنبية

Kaddouri, Abdelmajid. Abdellah Laroui: Le Penseur Marocain Contemporain. Casablanca: Centre Culturul du livre, 2019. at: https://acr.ps/hBy2see Laroui, Abdallah. Islam et Histoire. Casablanca: Centre Culturel Arabe, 2009. ________. Islam et modernité. Casablanca: Centre Culturel Arabe, 2009. ________. Carnets Covid. Casablanca: Centre Culturel du livre, 2024. Montesquieu. De l’esprit des lois. Paris: Éditions Gallimard, 1995.