العدالة إنصافًا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية

المؤلفون

  • المؤلف

  • جون رولز

DOI:

https://doi.org/10.31430/depp4939

الكلمات المفتاحية:

العدالة إنصافًا، تصور سياسي، مذهب شمولي، بنية أساسية، ديمقراطية دستورية - ليبرالية

الملخص

تسلّط هذه الدراسة الضوء على بعض الثغرات التي لم يقتدر كتاب جون رولز نظرية في العدالة على تلافيها، ومن هنا تكمن أهميتها القصوى. وهي، فضلًا عن ذلك، أشبه بنواة مفصلية لمحاضرات رولز اللاحقة، التي جمعها في كتابه الليبرالية السياسية. والحقيقة، كما يذكر رولز نفسه، أنه استفاد في تطوير نظريته في العدالة، وتوضيح معالمها بوصفها تصورًا سياسيًا ينطبق على البنية الأساسية لمجتمع حسن التنظيم، في إطار ديمقراطية دستورية من الانتقادات والتعليقات والملاحظات العديدة التي واجهتها نظريته "العدالة إنصافًا"، والتي أجمل فيها القول عام 1971 في كتابه المذكور، وكان "رجع الصدى" لفكرةٍ راودته منذ عام 1958 ضمَّنها في دراسته "العدالة إنصافًا".

المراجع

  1. John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971); ينظر أيضًا الترجمة العربية للكتاب: جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة وتقديم ليلى الطويل (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،
  2. تجلت هذه التنقيحات والتغييرات في علاقة بمسائل الاهتمام، على نحو واضح، في ثلاث محاضرات بعنوان: "البنائية الكانطية في النظرية الأخلاقية". ينظر: John Rawls, "Kantian Constructivism in Moral Theory," The Journal of Philosophy , vol. 77, no. 9 (September 1980), pp. 515–572; على سبيل المثال، عُدّل تفسير ما أسميته الخيرات الأولية، بحيث أصبحت دلالتها تتعلق بوضوح بتصور معين للأشخاص ومصالحهم العليا. وهكذا، فإن هذه الأطروحة لم تعُد من طبيعة سيكولوجية أو اجتماعية أو تاريخية بحتة. ينظر: رولز، ص 625؛ Rawls, A Theory of Justice , p. 526. وشهدت تلك المحاضرات أيضًا تركيزًا أكثر وضوحًا على دور تصور الشخص، وعلى فكرة أن تبرير تصور العدالة هو مهمة اجتماعية عملية، وليس مشكلة إبستيمولوجية أو ميتافيزيقية. ينظر: رولز، ص 617؛ وينظر: 518. p , A Theory of Justice , Rawls. وفي هذا الصدد، استُدعيت فكرة "البنائية الكانطية"، خاصة في المحاضرة الثالثة. ومع ذلك، تجدر الإشارة ههنا إلى أن هذه الفكرة لا تُقترح كفكرة كانطية؛ إذ تشير الصفة "الكانطية" إلى التشابه، ولا تشير إلى التماهي، أي التشابه في بعض الاعتبارات الأساسية التي تجعل من الصفة ملائمة. وهذه الاعتبارات هي بعض السمات البنائية للعدالة إنصافًا وعناصر من مضمونها، مثل التمييز بين ما يمكن تسميته المعقول والعقلاني، وأولوية الحق، ودور تصور الأشخاص على أنهم أحرار ومتساوون، ويتمتعون بالاستقلالية الذاتية، وما إلى ذلك. ولا ينبغي أن نخلط بين أوجه التشابه في السمات البنيوية والمضمون وبين وجهات نظر كانط المتعلقة بمسائل الإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. وأخيرًا، أود أن أشير إلى أن عنوان تلك المحاضرات، "البنائية الكانطية في النظرية الأخلاقية"، كان مدعاة لسوء الفهم. وبما أن تصور العدالة الذي أناقشه تصوّر سياسي، فإن العنوان الأفضل يُفترض أن يكون "البنائية الكانطية في الفلسفة السياسية". وأما معرفة إن كانت البنائية معقولة في الفلسفة الأخلاقية، فهي تظل مسألة منفصلة وأكثر عمومية Generality.
  3. ينظر الفقرة الثانية من: A Theory of Justice , Rawls؛ ينظر الفهرس؛ وينظر، في هذا السياق، البنية الأساسية بوصفها موضوعًا في: Alvin Goldman & Jaegwon Kim, Values and Morals (Dordrecht: Reidel, I978), pp. 47–71.
  4. Ibid., pp. 48–50.
  5. جرى تقديم هذه الفكرة في كتاب نظرية في العدالة بوصفها وسيلة لإضعاف شروط معقولية العصيان المدني في مجتمع ديمقراطي عادل إلى حد ما. غير أنني أستخدمها ههنا ولاحقًا في المقطعين السادس والسابع في سياق أشمل. ينظر:. 387–388 pp , Theory of Justice A , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 469.
  6. ينظر: المقدمة، في: viii. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر: رولز، ص.21–20
  7. Rawls, A Theory of Justice , p. 582; وينظر: رولز، ص 689. وبشأن دور تصور العدالة في الحد من الاختلاف بين وجهات النظر، ينظر: , Theory of Justice A , Rawls. 44, 314, 564 pp؛ وينظر: رولز، ص 74، 84، 89، 388، 668. ويلُاحظ في مواضع مختلفة الأهداف المحدودة لصياغة تصور للعدالة، ينظر: 364. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر أيضًا رولز، ص 45، 444. وبشأن عدم توقع الكثير من تأويلات العصيان المدني، ينظر: 200. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر كذلك: رولز، ص 257. وبخصوص وجوب أن يتصف تصور العدالة بالمرونة في تحديد سلسلة من وجهات النظر التي يمكن من خلالها حل مسائل العدالة، ينظر: 89. p , Theory of Justice A , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 127. وبخصوص الحكمة الاجتماعية المتمثلة في الاعتراف بأنه ربما لا يمكن تسوية سوى عدد قليل من المشكلات الأخلاقية (كان من الأفضل أن نقول: مشكلات العدالة السياسية) تسويةً مُرضية، ومن ثم تأطير المؤسسات بحيث لا تنشأ مسائل مستعصية، ينظر: 320–321 87, 53,. pp , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 84، 125، 395. ويجري تأكيد الحاجة إلى التبسيط. وفيما يتعلق بالمسألة الأخيرة، ينظر: Rawls, "Kantian Constructivism," pp. 64, 560.
  8. تختلف صياغة هذين المبدأين عن الصياغة الوارد في نظرية في العدالة، ثمّ تأتي الصياغة الواردة في "الحريات الأساسية وأولويتها"، ينظر: John Rawls, Tanner Lectures on Human Values , vol. 3 (Salt Lake City: University of Utah Press, 1982), p. 5. ولقد شُرحت الأسباب التي أدت إلى هذه التغييرات من تلك المحاضرة، وهي مهمة للتنقيحات التي أ جريت على شرح الحريات الأساسية كما جاء في نظرية في العدالة، بوصفها محاولة للرد على اعتراضات هربرت هارت Hart Herbert (1992–1907). ولكنها لا تعنينا في هذه الدراسة. ينظر: Ibid., pp. 46–55.
  9. نُوقشت فكرة قيمة هذه الضمانات في: , pp. 40–41 Tanner Lectures Rawls,.
  10. رولز، ص 49، 82–79، 163؛ ينظر أيضًا: , pp. 48–51, 120–121 A Theory of Justice Rawls,.
  11. رولز، ص 690–687؛ ينظر أيضًا: , pp. 83, 580 A Theory of Justice Rawls,.
  12. رولز، ص 273؛ ينظر أيضًا: , p. 214 A Theory of Justice Rawls,.
  13. بشأن البنائية الكانطية، ينظر: Tanner Lectures Rawls,.
  14. على الرغم من أن كتاب نظرية في العدالة يستخدم هذه الفكرة منذ البداية (جرى تقديمها في ,: A Theory of Justice , Rawls. 4 p؛ وفي: رولز، ص 31–30)، فإنه لا يؤكد، كما أفعل هنا وفي "البنائية الكانطية"، أن الأفكار الأساسية للعدالة إنصافًا تعتبر ضمنية أو كامنة في الثقافة العمومية للمجتمع الديمقراطي.
  15. ينبغي التنصيص على أن تصور الشخص، بالمعنى الذي أقصده، هو تصور معياري يظل مشروط ا بوجهة النظر الشمولية التي يتنزل في صلبها، أيًّا يكن هذا التصور، قانونيًا أو سياسيًا أو أخلاقيًا، أو حتى فلسفيًا أو دينيًا. غير أنه يتعلق ههنا بتصور أخلاقي للشخص ينطلق من تصورنا اليومي لأشخاص، بوصفهم الوحدات الأساسية للفكر والمداولة والمسؤولية، وهو ينسجم مع تصور سياسي للعدالة، ولا ينسجم مع مذهب شمولي. إنه في الواقع، تصور سياسي للشخص، وهو – بالنظر إلى أهداف نظرية العدالة إنصافًا – تصور ملائم لأساس المواطنة الديمقراطية. وبوصفه تصورًا معياريًا، يجب تمييزه من دراسة الطبيعة البشرية التي تقترحها العلوم الطبيعية والنظرية الاجتماعية، إنّ له دورًا مختلفًا في نظرية هذه العدالة. وفيما يتعلق بهذه المسألة، ينظر: Rawls, "Kantian Constructivism," pp. 534–535.
  16. ينظر الفقرة 77، في: A Theory of Justice Rawls,.
  17. ينظر: الفقرتان الثالثة والرابعة، والفصل الثالث، وفهرس المفاهيم، في: A Theory of Justice Rawls,.
  18. بشأن "حجاب الجهل"، ينظر الفقرتان الرابعة والرابعة والعشرون، وفهرس المفاهيم، في: Ibid..
  19. هذا السؤال طرحه رونالد دوركين Dworkin Ronald (2013–1931) في الجزء الأول من دراسته القيمة جدًّا، ولقد استفدت منها كثيرًا، وهي بعنوان "العدالة والحقوق" (1973)، وقد أُعيد نشرها في كتاب أخذ الحقوق على محمل الجدّ. بشأن الترجمة العربية للكتاب، ينظر: رونالد دوركين، أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة منير الكشو (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2015)؛ وينظر أيضًا دوركين من خلال عدة طرائق لشرح استخدام الوضع البدئي في تصور للعدالة يستدعي فكرة العقد الاجتماعي، وذلك في الجزء الأخير من الكتاب (ينظر: المرجع نفسه، ص 281–269). وبعد أن درس بعض السمات البنائية للعدالة إنصافًا (ينظر: المرجع نفسه، ص –252 263)، وبيّن أنها قائمة على الحقوق، وليست وجهة نظر قائمة على الواجبات أو على الغايات (ينظر: المرجع نفسه، ص 274–263)، اقترح أن ينظر إلى الوضع البدئي مستخدمًا حجاب الجهل على أنه تشكيل لقوة الحق الطبيعي في أن يكون للأفراد القدر نفسه من الاهتمام والاحترام في تصور المؤسسات السياسية التي تحكمهم (ينظر: المرجع نفسه، ص 278)، وهو يعتقد أن هذا الحق الطبيعي يمثل أساسًا للعدالة إنصافًا، وأن الوضع البدئي يستخدم كأداة لاختبار مبادئ العدالة التي يتطلبها هذا الحق. هذا اقتراح عبقري لكنني لم أعتمده في هذا النص. وأفضل ألّ أفكر في هذه العدالة كوجهة نظر قائمة على الحق. والواقع أن تصنيف دوركين لوجهات النظر القائمة على الحقوق أو الواجبات أو الغايات (ينظر: المرجع نفسه، ص 267) ضيّق جدًّا، ويستبعد إمكانات أخرى مهمة. وهكذا، وكما هو موضح في المقطع الثاني، أفكر في العدالة إنصافًا باعتبار أنها محاولة لصياغة تصورات مثالية لبعض الأفكار الحدسية الأساسية، مثل أفكار الشخص باعتبار أنه حرٌّ ومتساوٍ مع الأشخاص الآخرين، والمجتمع الحسن التنظيم، والدور العمومي لتصور العدالة السياسية. وأفكر أيضًا في ربط هذه الأفكار الحدسية الأساسية بالفكرة الحدسية الأكثر جوهرية وشمولً للمجتمع بوصفه نظامًا منصفًا للتعاون مع مرور الزمن من جيل إلى آخر. إنّ الحقوق والواجبات والغايات ليست سوى عناصر من هذه التصورات المثالية. ومن ثم، فإن العدالة إنصافًا هي وجهة نظر قائمة على التصورات أو – كما اقترحت عليّ إليزابيث أندرسون – وجهة نظر قائمة على المثل العليا، لأن هذه الأفكار الحدسية الأساسية تعكس المثل العليا الضمنية أو الكامنة في الثقافة العمومية للمجتمع الديمقراطي. فالوضع البدئي هو جهاز تمثيل تشكّل القوة؛ ليس للحق الطبيعي في الاهتمام والاحترام المتساويين، بل للعناصر الأساسية لهذه الأفكار الحدسية الأساسية كما تحددها مبررات مبادئ العدالة التي نقبلها عبر تفكّر مُتروٍّ. وعلى هذا النحو، فإنه يسعى أولً إلى الجمع بين القوة الناتجة من كل هذه الأسباب، ثم إلى تركيزها على اختيار أنسب مبادئ العدالة لمجتمع ديمقراطي (وبهذا المعنى تكون قوة الحق الطبيعي في الاهتمام والاحترام المتساويين حاضرة، ولكن حضورها يكون بطرائق أخرى). ويشبه هذا التفسير لاستخدام الوضع البدئي في بعض النواحي تفسيرًا يرفضه دوركين في الجزء الأول من دراسته (خاصة في: المرجع نفسه، ص 244). وبالنظر إلى الغموض وعدم الدقة في كتاب نظرية في العدالة بشأن العديد من المسائل التي تناولها بالتحليل، ليس هدفي انتقاد مناقشة دوركين القيّمة، بل الإشارة إلى كيفية اختلاف فهمي للوضع البدئي عن تأويله، مع أنّ آخرين قد يفضلون تأويله.
  20. يجسد الوضع البدئي خاصية أساسية من خاصيات البنائية الأخلاقية الكانطية، والبنائية السياسية أيضًا، تتمثل في التمييز بين العقلاني والمعقول، مع اعتبار أولوية المعقول على العقلاني. وتكمن أهمية هذا التمييز هنا في أن كتاب نظرية في العدالة لا يتحدث بانتظام، إلى حد ما، عن شروط عقلانية، بل عن شروط معقولة (وأحيانًا ملائمة) بوصفها تمثّل تقييدات تدعم الحجج لمصلحة مبدأي العدالة. ينظر: , pp. 18, 20, 130, 138, 446, 516, 578, 584 A Theory of Justice Rawls,؛ وينظر أيضًا: رولز، ص 49–47، 183، 536، 615، 784، 791؛ ويبلور الوضع البدئي تلك التقييدات، ومن ثم يفرضها على الشركاء. وتخضع مداولاتهم خضوعًا مطلقًا للشروط المعقولة التي تجعل من الوضع البدئي وضعًا منصفًا. لذا، تكُون أولوية المعقول على العقلاني، وهو ما يمنح الأولوية للحق. وهكذا، كان من الخطأ في نظرية في العدالة (ومدعاة لسوء فهم إلى حد بعيد) اعتبار أن نظرية العدالة جزء من نظرية الاختيار العقلاني، كما هو الحال في: 583 16,. pp , A Theory of Justice , Rawls؛ ينظر أيضًا: رولز، ص 44، 790. وما كان ينبغي أن أقوله هو أن تصور العدالة إنصافًا يستخدم تصورًا للاختيار العقلاني مرتهنًا بشروط معقولة، من أجل توصيف مداولات الشركاء الممثلين لأشخاص أحرار ومتساوين. وكل ذلك ضمن تصور سياسي للعدالة، وهو بطبيعة الحال تصور أخلاقي. فلا وجود لمحاولة اشتقاق مضمون العدالة ضمن إطار يستخدم فكرة العقلانية بوصفها فكرة معيارية وحيدة. وتلك فكرة لا تتوافق مع وجهة النظر الكانطية كيفما كانت.
  21. Rawls, A Theory of Justice , pp. 138–147; وينظر: رولز، ص 193–183. يقال إن الشركاء في الوضع البدئي (ينظر: 147. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 193) هم أفراد مُحدّدون نظريًّا يجري تحديد دوافعهم من خلال تأويل هذا الوضع، وليس من خلال وجهة نظر سيكولوجية بشأن كيف يكون البشر فعلً محفزين. وهذا أيضًا جزءٌ مما يعنيه القول (ينظر. 121: p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر رولز، ص 165) إنّ قبول مبادئ العدالة الخاصة لا يُخمَّن بوصفه قانونًا سيكولوجيًّا، أو بوصفه احتم لً، بل إنه ينبع من التوصيف الكامل للوضع البدئي. وعلى الرغم من أن الهدف لا يمكن تحقيقه على نحو مثالي، فإننا نريد أن تكون الحجة استدلالية، بمنزلة "نوع من الهندسة الأخلاقية". وفي "البنائية الكانطية" (ينظر: 532. p , A Theory of Justice , Rawls) يوصف الشركاء بأنهم مجرد فاعلين مصطنعين، يسكنون بناءً معينًا. ولهذا، أعتقد أن ريتشارد براندت Brandt Richard (1997–1910) مخطئ في الاعتراض على أن حجة الوضع البدئي تستند إلى سيكولوجيا فاسدة، ينظر: Richard Brandt, A Theory of the Good and the Right (Oxford: Clarendon Press, I979), pp. 42–239. وبطبيعة الحال، يمكن أن يُعترَض على الوضع البدئي على أنه يصوغ تصورًا للشخص ومداولات الشركاء بطرائق غير ملائمة لمقاصد التصور السياسي للعدالة، ولكن المقاصد النظرية السيكولوجية ليست مهمة على نحو مباشر. ومن ناحية أخرى، فإن المقاصد النظرية السيكولوجية مهمة بالنسبة إلى استقرار تصور العدالة، كما جرت مناقشة ذلك في نظرية في العدالة، وتحديدًا في الجزء الثالث (ينظر الهامش التالي). وبالمثل، أعتقد أن مايكل ساندل مخطئ في افتراض أن الوضع البدئي يشتمل على تصور للذات "مجردة من كل صفاتها العرضية"، ذات "تفترض نوعًا من الوضع فوق التجريبي [...]، ومن ثمّ، فهي سابقة لكل غاياتها، مجرد ذات للفاعلية والمِلكية. وفي نهاية المطاف ذات نحيفة". ينظر: Michael Sandel, Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Cambridge University Press, I982), pp. 93–95; وينظر أيضًا الترجمة العربية، في: مايكل ساندل، الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.172–168 لا أستطيع، في هذا المجال، مناقشة هذه الانتقادات بكل تفصيل. ولا تتمثل المسألة الأساسية (كما لمّحت إلى ذلك في الملاحظات التمهيدية) في معرفة ما إذا كانت بعض المقاطع في نظرية في العدالة تفترض مثل هذا التأويل (أشك في ذلك)، بل في معرفة ما إذا كان تصور العدالة إنصافًا، كما جاء في هذا الكتاب، يمكن فهمه في ضوء التأويل الذي اقترحته في هذه الدراسة، وفي المحاضرات السابقة المتعلقة بالبنائية، كما أعتقد أنه كذلك.
  22. يكمن جزء من الصعوبة في أنه لا يوجد فهمٌ مقبول لما يكون المذهب الميتافيزيقي. ويمكننا القول، كما اقترح عليّ بول هوفمان Hoffman Paul (1974–1891)، إن صياغة التصور السياسي للعدالة من دون افتراض مذهب ميتافيزيقي معيّن، أو استخدامه صراحة (تصور ميتافيزيقي ما للشخص، على سبيل المثال)، هما أن نفترض مسبقًا أطروحة ميتافيزيقية مفادُها أنه ليس من المطلوب مذهب ميتافيزيقي لهذا الغرض. ويمكننا القول أيضًا إن تصورنا العادي للأشخاص، بوصفهم الفواعل الأساسية للمداولة والمسؤولية، يفترض مسبقًا بعض الأطروحات الميتافيزيقية المتعلقة بطبيعة الأشخاص بوصفهم فاعلين أخلاقيين أو سياسيين، أو يشتمل تصورنا ذاك، بطريقة ما، على ذلك. وتبعًا لمبدأ تفادي سوء الفهم، لا أريد أن أنكر هذه الادعاءات. وما ينبغي قوله هو ما يلي: إذا نظرنا إلى طريقة تقديم نظرية العدالة إنصافًا، ولاحظنا كيف أنها أُنشئت، ولاحظنا الأفكار والتصورات التي تستخدمها، فإننا لا نجد مذهبًا ميتافيزيقيًّا معيّنًا حول طبيعة الأشخاص، متميزًا من مذاهب ميتافيزيقية أخرى ومتعارضًا معها، ويظهر بين منطلقاتها أو تحتكم إليه في مبرراتها. وإذا كانت الافتراضات الميتافيزيقية موجودة، فربما تكون عامة؛ بحيث لا تميز بين وجهات النظر الميتافيزيقية – الديكارتية، والليبنيزية، أو الكانطية، وبين الواقعية والمثالية، أو المادية – التي كانت من مشمولات الفلسفة تقليديًا. وفي هذه الحالة، لا يبدو أنها ذات صلة ببنية التصور السياسي للعدالة ومضمونه بطريقة أو بأخرى. وأنا ممتن لدانييل برودني Brodney Daniel وهوفمان في مناقشة هذه المسائل.
  23. للاطلاع على المنظورين الأولين، ينظر: 544. p ," Constructivism Kantian , " Rawls؛ وللاطلاع على المنظور الثالث، ينظر: الهامش 26 أدناه. وقد جرى عرض المنظورين الأولين الموجودين في تلك المحاضرات بتفصيل أكبر في النص أعلاه، وأنا على وضوح أكبر في التمييز بين ما أسميه هنا هويتنا "العمومية"، مقابل "هويتنا غير العمومية أو الأخلاقية". وأقصد بمصطلح "الأخلاقي"، في هذه العبارة، الإشارة إلى أن تصورات الأشخاص للخير (الكامل) عادةً ما تكون عنصرًا أساسيًا في توصيف هويتهم غير العمومية (أو غير السياسية)، وتفهم هذه التصورات على أنها تشتمل عادةً على عناصر أخلاقية مهمة، على الرغم من أنها تشمل عناصر أخرى أيضًا، فلسفية ودينية. يجب النظر إلى مصطلح "الأخلاقي" على أنه بديل من كل هذه الممكنات. وأنا مدين لإليزابيث أندرسون Anderson Elizabeth لمناقشة هذا التمييز وتوضيحه.
  24. أفترض هنا أن الإجابة عن مسألة الهوية الشخصية تسعى لتحديد مختلف المعايير (مثل المعايير السيكولوجية للذكريات، واستمرار الجسد فيزيائيًا أو في جزء منه)، بحيث يمكننا أن نعتبر أنّ حالتين أو سلوكين سيكولوجيين مختلفين يحصلان في وقتين مختلفين حالتان أو سلوكان للشخص ذاته الذي ظل على قيد الحياة عبر الزمن. إنها تسعى كذلك إلى تحديد كيف أن هذا الشخص، الذي ظل على قيد الحياة، يمكن أن ينظر إليه إمّا بوصفه جوهرًا ديكارتيًّا أو ليبنيزيًّا، وإما بوصفه كائنًا متعاليًا (ترنسندنتاليًّا) كانطيًّا، وإما بوصفه سلسلة متصلة من العناصر، جسدية كانت أو فيزيائية. ينظر: الدراسات التي نشرها جون بيري، في: John Perry, Personal Identity (Berkeley: University of California Press, 1975); وخاصة مقدمة بيري، في: 3–30. pp., Ibid؛ ودراسة سنداي شوماكر، في: Sydney Shoemaker, Personal Identity (Oxford: Basil Blackwell, 1984). فالدراستان كلتاهما تهتم بوجهات نظر عديدة في هذا الشأن. وكثيرًا ما تُتجاهل مسألة استمرار غايات الشخص الأساسية أثناء معالجة هذه المسائل، كما هو الحال مثل في وجهات نظر هربرت بول غرايس Grice Paul Herbert (1988–1913) الذي يركز على استمرار الذكريات. ولكن حينما تُعتبر استمرارية هذه الغايات أساسية أيضًا، كما في كتاب ديريك بارفيت من قسمه الثالث، فإنه لن يبقى أي تمييز قطعي بين مشكلة الهوية الأخلاقية أو غير العمومية ومشكلة هويته الشخصية. وتثير هذه المشكلة الأخيرة أسئلة اختلفت فيها وجهات النظر الفلسفية السابقة والحاضرة كثيرًا، ولا شكّ في أنها تستمر على اختلافها. ومن أجل ذلك، من المهم صياغة تصور سياسي للعدالة يتفادى هذه المشكلة كلما كان ذلك ممكنًا. لذا، من المهم محاولة تطوير تصور سياسي للعدالة يتفادى هذه. Derek Parfit, Reasons and Persons (Oxford: Clarendon Press, 1984):. ينظر المشكلة ما استطاع إلى ذلك سبيلً
  25. بشأن فكرة الموت الاجتماعي، ينظر: Orlando Patterson, Slavery and Social Death (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982), pp. 5–9, 38–45, 337. وقد طُوِّرت هذه الفكرة تطويرًا مثيرًا للاهتمام في هذا الكتاب، وهي ذات مكانة مركزية في دراسة المؤلف المقارنة للعبيد.
  26. بشأن "الوحدة الاجتماعية والخيرات الأولية"، ينظر: Amartya Sen & Bernard Williams, Utilitarianism and Beyond (Cambridge: Cambridge University Press, 1982), pp. 70–167.
  27. على سبيل المثال، تُقيَّد الكنائس بمبدأ المساواة في حرية الضمير، ويجب أن تمتثل لمبدأ التسامح، وتُقيَّد الجامعات بما قد يكون مطلوبًا للحفاظ على المساواة المنصفة في الحظوظ، وحقوق الآباء، لأن ذلك ضروري للحفاظ على السلامة الجسدية لأبنائهم وضمان تنمية قدراتهم الفكرية والأخلاقية على نحو ملائم. ولأن ممارسة الكنائس والجامعات وأولياء الأمور للسلطة تكون داخل البنية الأساسية، فإنّ على هذه الأطراف كلها أن تدرك المتطلبات التي تفرضها هذه البنية للحفاظ على العدالة الأساسية.
  28. بشأن تصور إيمانويل كانط، يمكن الاطلاع على كتابيه: أسس ميتافيزيقا الأخلاق (1777)؛ ونقد العقل العملي (1788)؛ وبشأن تصور جون ستيوارت ميل، يمكن الاطلاع على كتابه: عن الحرية (1859)، وخاصة الفصل الثالث منه. ففي هذا الفصل، تجري مناقشة المثل الأعلى للفردانية باستفاضة.
  29. وُضِّحَت هذه المسألة فيما يتعلق بليبراليتَي كانط وميل. ولكن بالنسبة إلى الثقافة الأميركية، ينبغي للمرء أن يذكر التصورات المهمة للفردانية الديمقراطية التي عُبِّر عنها في أعمال إيمرسون وثورو وويتمان. وقد ناقشها الباحث جورج كاتب على نحو مفيد في دراسته "الفردانية الديمقراطية ومتطلبات السياسة". ينظر: George Kateb, "Democratic Individuality and the Claims of Politics," Political Theory , vol. 12, no. 3 (1984), pp. 331–360.
  30. بشأن فكرة نواة الوفاق التراكبي (المذكور آنفًا)، ينظر المقطع الأخير من الفقرة الخامسة والثلاثين، في: A Theory of Rawls, , p. 22 Justice؛ وينظر: رولز، ص 281–279. وبشأن فكرة الاستقلالية الذاتية الكاملة، ينظر: "البنائية الكانطية"، في: Rawls, "Kantian Constructivism," p. 582.
  31. نعثر على هذا التصور للخيرات الأولية في "الوحدة الاجتماعية والخيرات الأولية"، ينظر: Rawls, A Theory of Justice , pp. 16, 73–170, 183.
  32. ورد التمييز بين الظروف الموضوعية والذاتية للعدالة، في: 126. p., Ibid؛ ينظر أيضًا: رولز، ص 170. وقد جرى تأكيد أهمية دور الظروف الذاتية، في: Rawls, "Kantian Constructivism," pp. 42, 540.
  33. نجلِّى في الجزء الثالث من كتاب نظرية في العدالة ثلاثة أهداف رئيسة: أولً، تقديم تفسير للخير بوصفه عقلانية (الفصل السابع) يقوم كأساس لتحديد الخيرات الأولية، تلك الخيرات التي يفترض الشركاء، وذلك بالنظر إلى تصور الأشخاص أنّ الأشخاص الذين يمثلونهم في حاجة إليها. ينظر: 433 397,. pp , A Theory of Justice , Rawls؛ ينظر أيضًا: رولز، ص 521–481. ثانيًا، تقديم تفسير لاستقرار تصور العدالة (الفصلان الثامن والتاسع)، والعدالة إنصافًا على وجه الخصوص، وبيان أن هذا التصور أكثر استقرارًا من التصورات التقليدية الأخرى التي يقارن بها، فضلً عن كونه مستقرًا على نحو كافٍ. ثالثًا، تقديم تفسير لخير مجتمع حسن التنظيم، أي مجتمع عادل تكون فيه العدالة إنصافًا هي التصور السياسي للعدالة الذي يجري تأكيده عموميًّا وتحقيقه بفعالية (الفصلان الثامن والتاسع، ولا سيما الفقرة 86). وأعتقد الآن أن من أخطاء الجزء الثالث، ما يلي: غالبًا ما يقرأ تفسير الخير بوصفه عقلانية على أنه تفسير للخير الكامل لتصور أخلاقي شمولي. إنّ كل ما نحتاج إليه هو شرح لقائمة الخيرات الأولية وأساس مختلف للخيرات الطبيعية التي يعترف بها الحس السليم، وعلى وجه الخصوص، الأهمية الأساسية لاحترام الذات وتقديرها (وهما خيران، كما أشار إلى ذلك ديفيد ساكس ولورانس توماس، لا يجري التمييز بينهما على نحو صحيح)، ومن ثمّ الأسس الاجتماعية لاحترام الذات كخير أولي. ثمّ إن تفسير استقرار العدالة إنصافًا لم يوسع، كما كان ينبغي، ليشمل الوفاق التراكبي كحالة على قدر كبير من الأهمية، على النحو المبيَّن في النص. وبدلً من ذلك، اقتصر هذا التفسير على أبسط الحالات التي يجري فيها تأكيد التصور العمومي للعدالة باعتبار أنه كافٍ في حد ذاته للتعبير عن القيم التي تتفوق عادة، بالنظر إلى السياق السياسي لنظام دستوري، على كل القيم التي قد تتعارض معها (ينظر: وجهة النظر الثالثة للوفاق التراكبي المذكورة في النص). وفي ضوء المناقشة الواردة في الفقرات 35–32 من الفصل الرابع بشأن حرية الضمير، يعتبر توسيع نطاق حالة الوفاق التراكبي أمرًا ضروريًا. وأخيرًا، إنّ أهمية فكرة وجود مجتمع حسن التنظيم كاتحاد اجتماعي للاتحادات الاجتماعية، في سبيل تفسيرٍ لخير المجتمع العادل، لم تُشرح باستفاضة. أما في الجزء الثالث، فثمة كثير من إمكانات الربط التي تُركت للقارئ ليتدبرها، وهو أمرٌ من شأنه أن يثير شكوكًا في جانب مهم من الفصلين الثامن والتاسع.
1إجمالي الاستشهادات
1من دوريات المركز
0من مصادر خارجية

مقالات مُستشهِدة من دوريات المركز العربي (1)

  1. (2023) تأملات في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: بحث في العلاقة بين الأخلاق والسياسة. تبيُّن https://doi.org/10.31430/jlwu3161

المصادر: Crossref Cited-by، ومراجع مقالات دوريات المركز (الهوامش وقوائم المراجع)

التنزيلات

منشور

2023-08-01

إحصاءات الاستخدام

42 مشاهدة 64 تنزيل

إصدار

القسم

ترجمات